درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۸۰: اجزاء ۷

 

الواقع ، غاية الأمر أنّ المكلّف معها معذور عند الخطأ وشأنها في ذلك شأن الأمارة في الأحكام.

والسرّ في حملها على «الطريقيّة» ، هو أنّ الدليل الذي دلّ على حجّيّة الأمارة في الأحكام هو نفسه دلّ على حجّيّتها في الموضوعات بلسان واحد في الجميع ، لا أنّ القول بالموضوعيّة هنا يقتضي محذور التصويب المجمع على بطلانه عند الإماميّة ، كالأمارة في الأحكام. (١)

وعليه ، فالأمارة في الموضوعات أيضا لا تقتضي الإجزاء بلا فرق بينها وبين الأمارة في الأحكام.

٢. الإجزاء في الأصول مع انكشاف الخطأ يقينا

لا شكّ في أنّ العمل بالأصل إنّما يصحّ إذا فقد المكلّف الدليل الاجتهاديّ على الحكم. فيرجع إليه باعتبار أنّه وظيفة للجاهل لا بدّ منها للخروج من الحيرة.

فالأصل ـ في حقيقته ـ وظيفة للجاهل الشاكّ ينتهي إليه في مقام العمل ؛ إذ لا سبيل له غير ذلك لرفع الحيرة ، وعلاج حالة الشكّ.

ثمّ إنّ الأصل على قسمين :

١. أصل عقليّ : والمراد منه ما يحكم به العقل ، ولا يتضمّن جعل حكم ظاهريّ من الشارع ، كالاحتياط ، وقاعدة التخيير ، والبراءة العقليّة التي مرجعها إلى حكم العقل بنفي العقاب بلا بيان ، فهي لا مضمون لها إلاّ رفع العقاب ، لا جعل حكم بالإباحة من الشارع.

٢. أصل شرعيّ : وهو المجعول من الشارع في مقام الشكّ والحيرة ، فيتضمّن جعل حكم ظاهريّ ، كالاستصحاب والبراءة الشرعيّة التي مرجعها إلى حكم الشارع بالإباحة ، ومثلها أصالة الطهارة والحلّيّة.

إذا عرفت ذلك فنقول :

أوّلا : إنّ بحث الإجزاء لا يتصوّر في قاعدة الاحتياط مطلقا ، سواء كانت عقليّة أو

__________________

(١) هكذا قال المحقّق النائينيّ على ما في أجود التقريرات ١ : ٣٠٠.

شرعيّة ؛ لأنّ المفروض في الاحتياط هو العمل بما يحقّق امتثال التكليف الواقعيّ ، فلا يتصوّر فيه تفويت المصلحة.

وثانيا : كذلك لا يتصوّر بحث الإجزاء في الأصول العقليّة الأخرى ، كالبراءة (١) ، وقاعدة التخيير ؛ لأنّها ـ حسب الفرض ـ لا تتضمّن حكما ظاهريّا ، حتّى يتصوّر فيها الإجزاء والاكتفاء بالمأتيّ به عن الواقع ، بل إنّ مضمونها هو سقوط العقاب والمعذوريّة المجرّدة.

وعليه ، فينحصر البحث في خصوص الأصول الشرعيّة عدا الاحتياط ، كالاستصحاب ، وأصالة البراءة (٢) ، والحلّيّة ، وأصالة الطهارة.

وهي لأوّل وهلة لا مجال لتوهّم الإجزاء فيها ، لا في الأحكام ولا في الموضوعات ؛ فإنّها أولى من الأمارات في عدم الإجزاء ، باعتبار أنّها ـ كما ذكرنا في صدر البحث ـ وظيفة عمليّة يرجع إليها الجاهل الشاكّ لرفع الحيرة في مقام العمل والعلاج الوقتيّ. أمّا الواقع فهو على واقعيّته ، فيتنجّز حين العلم به وانكشافه ، ولا مصلحة في العمل بالأصل غير رفع الحيرة عند الشكّ ، فلا يتصوّر فيه مصلحة وافية يتدارك بها مصلحة الواقع (٣) حتّى يقتضي الإجزاء والاكتفاء به عن الواقع.

ولذا أفتى علماؤنا المتقدّمون بعدم الإجزاء في الأصول العمليّة. (٤)

ومع هذا ، فقد قال قوم من المتأخّرين بالإجزاء ، منهم : شيخنا صاحب الكفاية (٥) ، وتبعه تلميذه أستاذنا الشيخ محمد حسين الأصفهانيّ قدس‌سره (٦). ولكن ذلك في خصوص الأصول الجارية لتنقيح موضوع التكليف وتحقيق متعلّقه ، كقاعدة الطهارة ، وأصالة الحلّيّة ، واستصحابهما ، دون الأصول الجارية في نفس الأحكام.

__________________

(١) أي : البراءة العقليّة.

(٢) أي : البراءة الشرعيّة.

(٣) وفي «س» مصلحة وافية بتدارك مصلحة الواقع.

(٤) حكى عنهم الشيخ الأنصاريّ في مطارح الأنظار : ٢٨.

(٥) كفاية الأصول : ١١٠.

(٦) نهاية الدراية ١ : ٢٧٥.