درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۸۱: اجزاء ۸

 

شرعيّة ؛ لأنّ المفروض في الاحتياط هو العمل بما يحقّق امتثال التكليف الواقعيّ ، فلا يتصوّر فيه تفويت المصلحة.

وثانيا : كذلك لا يتصوّر بحث الإجزاء في الأصول العقليّة الأخرى ، كالبراءة (١) ، وقاعدة التخيير ؛ لأنّها ـ حسب الفرض ـ لا تتضمّن حكما ظاهريّا ، حتّى يتصوّر فيها الإجزاء والاكتفاء بالمأتيّ به عن الواقع ، بل إنّ مضمونها هو سقوط العقاب والمعذوريّة المجرّدة.

وعليه ، فينحصر البحث في خصوص الأصول الشرعيّة عدا الاحتياط ، كالاستصحاب ، وأصالة البراءة (٢) ، والحلّيّة ، وأصالة الطهارة.

وهي لأوّل وهلة لا مجال لتوهّم الإجزاء فيها ، لا في الأحكام ولا في الموضوعات ؛ فإنّها أولى من الأمارات في عدم الإجزاء ، باعتبار أنّها ـ كما ذكرنا في صدر البحث ـ وظيفة عمليّة يرجع إليها الجاهل الشاكّ لرفع الحيرة في مقام العمل والعلاج الوقتيّ. أمّا الواقع فهو على واقعيّته ، فيتنجّز حين العلم به وانكشافه ، ولا مصلحة في العمل بالأصل غير رفع الحيرة عند الشكّ ، فلا يتصوّر فيه مصلحة وافية يتدارك بها مصلحة الواقع (٣) حتّى يقتضي الإجزاء والاكتفاء به عن الواقع.

ولذا أفتى علماؤنا المتقدّمون بعدم الإجزاء في الأصول العمليّة. (٤)

ومع هذا ، فقد قال قوم من المتأخّرين بالإجزاء ، منهم : شيخنا صاحب الكفاية (٥) ، وتبعه تلميذه أستاذنا الشيخ محمد حسين الأصفهانيّ قدس‌سره (٦). ولكن ذلك في خصوص الأصول الجارية لتنقيح موضوع التكليف وتحقيق متعلّقه ، كقاعدة الطهارة ، وأصالة الحلّيّة ، واستصحابهما ، دون الأصول الجارية في نفس الأحكام.

__________________

(١) أي : البراءة العقليّة.

(٢) أي : البراءة الشرعيّة.

(٣) وفي «س» مصلحة وافية بتدارك مصلحة الواقع.

(٤) حكى عنهم الشيخ الأنصاريّ في مطارح الأنظار : ٢٨.

(٥) كفاية الأصول : ١١٠.

(٦) نهاية الدراية ١ : ٢٧٥.

ومنشأ هذا الرأي عنده (١) اعتقاده بأنّ دليل الأصل في موضوعات الأحكام موسّع لدائرة الشرط أو الجزء المعتبر في موضوع التكليف ومتعلّقه ، بأن يكون مثل قوله عليه‌السلام : «كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر» (٢) يدلّ على أنّ كلّ شيء قبل العلم بنجاسته محكوم بالطهارة ، والحكم بالطهارة حكم بترتيب آثارها وإنشاء لأحكامها التكليفيّة والوضعيّة التي منها الشرطيّة ، فتصحّ الصلاة بمشكوك الطهارة ، كما تصحّ بالطاهر الواقعيّ.

ويلزم من ذلك أن يكون الشرط في الصلاة ـ حقيقة ـ أعمّ من الطهارة الواقعيّة والطهارة الظاهريّة.

وإذا كان الأمر كذلك فإذا انكشف الخلاف لا يكون ذلك موجبا لانكشاف فقدان العمل لشرطه ، بل يكون بالنسبة إليه من قبيل ارتفاعه من حين ارتفاع الجهل. فلا يتصوّر حينئذ معنى لعدم الإجزاء بالنسبة إلى ما أتى به حين الشكّ ، والمفروض أنّ ما أتى به يكون واجدا لشرطه المعتبر فيه تحقيقا ، باعتبار أنّ الشرط هو الأعمّ من الطهارة الواقعيّة والظاهريّة حين الجهل ، فلا يكون فيه انكشاف للخلاف ولا فقدان للشرط. (٣)

وقد ناقشه شيخنا الميرزا النّائينيّ (٤) بعدّة مناقشات يطول ذكرها ، ولا يسعها هذا المختصر. والموضوع من المباحث الدقيقة التي هي فوق مستوى كتابنا (٥).

٣. الإجزاء في الأمارات والأصول مع انكشاف الخطأ بحجّة معتبرة

وهذه أهمّ مسألة في الإجزاء من جهة عموم البلوى بها للمكلّفين ؛ فإنّ المجتهدين كثيرا ما يحصل لهم تبدّل في الرأي بما يوجب فساد أعمالهم السابقة ظاهرا. وبتبعهم المقلّدون لهم. والمقلّدون أيضا قد ينتقلون من تقليد شخص إلى تقليد شخص آخر

__________________

(١) أي : عند صاحب الكفاية.

(٢) مستدرك الوسائل ٢ : ٥٨٣ ، الباب ٣٠ من أبواب النجاسات والأواني ، الحديث ٤.

(٣) انتهى ما أفاده صاحب الكفاية في وجه ما ذهب إليه.

(٤) فوائد الأصول ١ : ٢٤٩ ـ ٢٥١ ، أجود التقريرات ١ : ٢٨٧.

(٥) وإن شئت فراجع : نهاية الأفكار ١ : ٢٤٦ ـ ٢٥٥ ، المحاضرات ٢ : ٢٥٧ ، نهاية الأصول : ١٢٩ ـ ١٣٣ ، مناهج الوصول إلى علم الأصول ١ : ٣١٧ ـ ٣٢٠.