درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۸۶: مقدمه واجب ۲

 

المسألة الثانية : مقدّمة الواجب

تحرير [محلّ] النزاع

كلّ عاقل يجد من نفسه أنّه إذا وجب عليه شيء وكان حصوله يتوقّف على مقدّمات (١) فإنّه لا بدّ له من تحصيل تلك المقدّمات ليتوصّل إلى فعل ذلك الشيء بها (٢).

وهذا الأمر بهذا المقدار ليس موضعا للشكّ والنزاع ، وإنّما الذي وقع موضعا للشكّ وجرى فيه النزاع عند الأصوليّين هو أنّ هذه اللابدّيّة العقليّة للمقدّمة التي لا يتمّ الواجب إلاّ بها هل يستكشف منها اللابدّيّة شرعا أيضا؟ يعني أنّ الواجب هل يلزم عقلا من وجوبه الشرعيّ وجوب مقدّمته شرعا؟ أو فقل على نحو العموم : كلّ فعل واجب عند مولى من الموالي هل يلزم منه عقلا وجوب مقدّمته أيضا عند ذلك المولى؟. وبعبارة رابعة أكثر وضوحا : إنّ العقل ـ لا شكّ ـ يحكم بوجوب مقدّمة الواجب ـ أي يدرك لزومها ـ ، ولكن هل يحكم أيضا بأنّها واجبة أيضا عند من أمر بما يتوقّف عليها؟

وعلى هذا البيان فالملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع هي موضع البحث في هذه المسألة.

مقدّمة الواجب من أيّ قسم من المباحث الأصوليّة؟ (٣)

وإذا اتّضح ما تقدّم في تحرير محلّ النزاع نستطيع أن نفهم أنّه في أيّ قسم من أقسام المباحث الأصوليّة ينبغي أن تدخل هذه المسألة.

وتوضيح ذلك أنّ هذه الملازمة ـ على تقدير القول بها ـ تكون على أنحاء ثلاثة : إمّا

__________________

(١) وهي العلل والشرائط ورفع الموانع وغيرها.

(٢) فإنّ العقل يدرك هذه اللابدّيّة من جهة امتناع المعلول بدون علّته.

(٣) وهذا بعد الفراغ من كونها من المسائل الأصوليّة ، كما هو المعروف بين المتأخّرين. والظاهر من صاحب المعالم أنّها من المسائل الفقهيّة ، كما أنّها عند الحاجبيّ والشيخ البهائيّ من مبادئ الأحكام ، واختاره السيّد البروجرديّ. راجع معالم الدين : ٦٩ ، شرح العضدي ١ : ٩٠ ، زبدة الأصول : ٥٥ ، نهاية الأصول : ١٤٢.

ملازمة غير بيّنة ، أو بيّنة بالمعنى الأعمّ ، أو بيّنة بالمعنى الأخصّ.

فإن كانت هذه الملازمة ـ في نظر القائل بها ـ غير بيّنة ، أو بيّنة بالمعنى الأعمّ فإثبات اللازم ـ وهو وجوب المقدّمة شرعا ـ لا يرجع إلى دلالة اللفظ أبدا ، بل إثباته إنّما يتوقّف على حجّيّة هذا الحكم العقليّ بالملازمة ، وإذا تحقّقت هناك دلالة فهي من نوع دلالة الإشارة. (١) وعلى هذا فيجب أن تدخل المسألة في بحث الملازمات العقليّة غير المستقلّة ، ولا يصحّ إدراجها في مباحث الألفاظ. (٢)

وإن كانت هذه الملازمة ـ في نظر القائل بها ـ ملازمة بيّنة بالمعنى الأخصّ فإثبات اللازم يكون لا محالة بالدلالة اللفظيّة ، وهي الدلالة الالتزاميّة خاصّة (٣). والدلالة الالتزاميّة من الظواهر التي هي حجّة.

ولعلّه لأجل هذا أدخلوا هذه المسألة في مباحث الألفاظ ، وجعلوها من مباحث الأوامر بالخصوص (٤). وهم على حقّ في ذلك إذا كان القائل بالملازمة لا يقول بها إلاّ لكونها ملازمة بيّنة بالمعنى الأخصّ ، ولكنّ الأمر ليس كذلك.

إذن ، يمكننا أن نقول : إنّ هذه المسألة ذات جهتين باختلاف الأقوال فيها : يمكن أن تدخل في مباحث الألفاظ على بعض الأقوال ، ويمكن أن تدخل في الملازمات العقليّة على البعض الآخر.

ولكن لأجل الجمع بين الجهتين ناسب إدخالها في الملازمات العقليّة ـ كما صنعنا ـ ؛ لأنّ البحث فيها على كلّ حال في ثبوت الملازمة ، غاية الأمر أنّه على أحد الأقوال تدخل

__________________

(١) راجع دلالة الإشارة ، الصفحة ١٤٩ ، فإنّه ذكرنا هناك أنّ دلالة الإشارة ليست من الظواهر ، فلا تدخل في حجّيّة الظهور ، وإنّما حجّيّتها ـ على تقديره ـ من باب الملازمة العقليّة. ـ منه رحمه‌الله ـ.

(٢) الظاهر من كتب القدماء أنّ مسألة مقدّمة الواجب من المسائل اللفظيّة ، راجع العدّة ١ : ١٨٦ ، المعتمد ١ : ٩٣ ، معالم الدين : ٦٩.

وذهب المتأخّرون إلى أنّها من المسائل العقليّة ، إلاّ أنّهم لمّا لم يفرّدوا بابا للبحث عن الملازمات العقليّة فأدرجوها في مباحث الألفاظ.

(٣) كما قال به المحقّق العراقيّ في نهاية الأفكار ١ : ٢٦١ ، مع أنّه قائل بأنّها مسألة عقليّة.

(٤) قلنا : إنّهم لمّا لم يفرّدوا بابا للبحث عن الملازمات العقليّة فأدرجوها في مباحث الألفاظ.