درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۸۷: مقدمه واجب ۳

 

ملازمة غير بيّنة ، أو بيّنة بالمعنى الأعمّ ، أو بيّنة بالمعنى الأخصّ.

فإن كانت هذه الملازمة ـ في نظر القائل بها ـ غير بيّنة ، أو بيّنة بالمعنى الأعمّ فإثبات اللازم ـ وهو وجوب المقدّمة شرعا ـ لا يرجع إلى دلالة اللفظ أبدا ، بل إثباته إنّما يتوقّف على حجّيّة هذا الحكم العقليّ بالملازمة ، وإذا تحقّقت هناك دلالة فهي من نوع دلالة الإشارة. (١) وعلى هذا فيجب أن تدخل المسألة في بحث الملازمات العقليّة غير المستقلّة ، ولا يصحّ إدراجها في مباحث الألفاظ. (٢)

وإن كانت هذه الملازمة ـ في نظر القائل بها ـ ملازمة بيّنة بالمعنى الأخصّ فإثبات اللازم يكون لا محالة بالدلالة اللفظيّة ، وهي الدلالة الالتزاميّة خاصّة (٣). والدلالة الالتزاميّة من الظواهر التي هي حجّة.

ولعلّه لأجل هذا أدخلوا هذه المسألة في مباحث الألفاظ ، وجعلوها من مباحث الأوامر بالخصوص (٤). وهم على حقّ في ذلك إذا كان القائل بالملازمة لا يقول بها إلاّ لكونها ملازمة بيّنة بالمعنى الأخصّ ، ولكنّ الأمر ليس كذلك.

إذن ، يمكننا أن نقول : إنّ هذه المسألة ذات جهتين باختلاف الأقوال فيها : يمكن أن تدخل في مباحث الألفاظ على بعض الأقوال ، ويمكن أن تدخل في الملازمات العقليّة على البعض الآخر.

ولكن لأجل الجمع بين الجهتين ناسب إدخالها في الملازمات العقليّة ـ كما صنعنا ـ ؛ لأنّ البحث فيها على كلّ حال في ثبوت الملازمة ، غاية الأمر أنّه على أحد الأقوال تدخل

__________________

(١) راجع دلالة الإشارة ، الصفحة ١٤٩ ، فإنّه ذكرنا هناك أنّ دلالة الإشارة ليست من الظواهر ، فلا تدخل في حجّيّة الظهور ، وإنّما حجّيّتها ـ على تقديره ـ من باب الملازمة العقليّة. ـ منه رحمه‌الله ـ.

(٢) الظاهر من كتب القدماء أنّ مسألة مقدّمة الواجب من المسائل اللفظيّة ، راجع العدّة ١ : ١٨٦ ، المعتمد ١ : ٩٣ ، معالم الدين : ٦٩.

وذهب المتأخّرون إلى أنّها من المسائل العقليّة ، إلاّ أنّهم لمّا لم يفرّدوا بابا للبحث عن الملازمات العقليّة فأدرجوها في مباحث الألفاظ.

(٣) كما قال به المحقّق العراقيّ في نهاية الأفكار ١ : ٢٦١ ، مع أنّه قائل بأنّها مسألة عقليّة.

(٤) قلنا : إنّهم لمّا لم يفرّدوا بابا للبحث عن الملازمات العقليّة فأدرجوها في مباحث الألفاظ.

صغرى (١) لحجّيّة الظهور كما تدخل صغرى لحجّيّة العقل. وعلى القول الآخر تتمحّض في الدخول صغرى لحجّيّة العقل. والجامع بينهما هو جعلها صغرى لحجيّة العقل.

ثمرة النزاع

إنّ ثمرة النزاع المتصوّرة ـ أوّلا وبالذات ـ لهذه المسألة هي استنتاج وجوب المقدّمة شرعا بالإضافة إلى وجوبها العقليّ الثابت. وهذا المقدار كاف في ثمرة المسألة الأصوليّة ؛ لأنّ المقصود من علم الأصول هو الاستعانة بمسائله على استنباط الأحكام من أدلّتها.

ولكنّ هذه ثمرة غير عمليّة باعتبار أنّ المقدّمة بعد فرض وجوبها العقليّ ، ولابدّيّة الإتيان بها لا فائدة في القول بوجوبها شرعا ، أو بعدم وجوبها ؛ إذ لا مجال للمكلّف أن يتركها بحال ما دام هو بصدد امتثال ذي المقدّمة.

وعليه ، فالبحث عن هذه المسألة لا يكون بحثا عمليّا مفيدا ، بل يبدو لأوّل وهلة أنّه لغو من القول لا طائل تحته ، مع أنّ هذه المسألة من أشهر مسائل هذا العلم ، وأدقّها ، وأكثرها بحثا.

ومن أجل هذا أخذ بعض الأصوليّين المتأخّرين يفتّشون عن فوائد عمليّة لهذا البحث غير ثمرة أصل الوجوب. وفي الحقيقة أنّ كلّ ما ذكروه من ثمرات لا تسمن ولا تغني من جوع. (راجع عنها المطوّلات إن شئت) (٢).

فيا ترى هل كان البحث عنها كلّه لغوا؟ وهل من الأصحّ أن نترك البحث عنها؟ نقول : لا ؛ إنّ للمسألة فوائد علميّة كثيرة وإن لم تكن لها فوائد عمليّة ، ولا يستهان بتلك الفوائد ، كما سترى ، ثمّ هي ترتبط بكثير من المسائل ذات الشأن العمليّ في الفقه ، كالبحث عن الشرط المتأخّر ، والمقدّمات المفوّتة ، وعباديّة بعض المقدّمات ، كالطهارات الثلاث ممّا لا يسع الأصوليّ أن يتجاهلها ، ويغفلها. وهذا كلّه ليس بالشيء القليل وإن لم تكن هي

__________________

(١) كلمة «صغرى» منصوبة على الحالية.

(٢) راجع مطارح الأنظار : ٨٠ ـ ٨٢ ؛ بدائع الأفكار (الرشتي) : ٣٤٦ ؛ كفاية الأصول : ١٥٣ ـ ١٥٥ ؛ فوائد الأصول ١ : ٢٩٦ ـ ٣٠٠ ، وغيرها من المطوّلات.