درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۸۸: مقدمه واجب ۴

 

صغرى (١) لحجّيّة الظهور كما تدخل صغرى لحجّيّة العقل. وعلى القول الآخر تتمحّض في الدخول صغرى لحجّيّة العقل. والجامع بينهما هو جعلها صغرى لحجيّة العقل.

ثمرة النزاع

إنّ ثمرة النزاع المتصوّرة ـ أوّلا وبالذات ـ لهذه المسألة هي استنتاج وجوب المقدّمة شرعا بالإضافة إلى وجوبها العقليّ الثابت. وهذا المقدار كاف في ثمرة المسألة الأصوليّة ؛ لأنّ المقصود من علم الأصول هو الاستعانة بمسائله على استنباط الأحكام من أدلّتها.

ولكنّ هذه ثمرة غير عمليّة باعتبار أنّ المقدّمة بعد فرض وجوبها العقليّ ، ولابدّيّة الإتيان بها لا فائدة في القول بوجوبها شرعا ، أو بعدم وجوبها ؛ إذ لا مجال للمكلّف أن يتركها بحال ما دام هو بصدد امتثال ذي المقدّمة.

وعليه ، فالبحث عن هذه المسألة لا يكون بحثا عمليّا مفيدا ، بل يبدو لأوّل وهلة أنّه لغو من القول لا طائل تحته ، مع أنّ هذه المسألة من أشهر مسائل هذا العلم ، وأدقّها ، وأكثرها بحثا.

ومن أجل هذا أخذ بعض الأصوليّين المتأخّرين يفتّشون عن فوائد عمليّة لهذا البحث غير ثمرة أصل الوجوب. وفي الحقيقة أنّ كلّ ما ذكروه من ثمرات لا تسمن ولا تغني من جوع. (راجع عنها المطوّلات إن شئت) (٢).

فيا ترى هل كان البحث عنها كلّه لغوا؟ وهل من الأصحّ أن نترك البحث عنها؟ نقول : لا ؛ إنّ للمسألة فوائد علميّة كثيرة وإن لم تكن لها فوائد عمليّة ، ولا يستهان بتلك الفوائد ، كما سترى ، ثمّ هي ترتبط بكثير من المسائل ذات الشأن العمليّ في الفقه ، كالبحث عن الشرط المتأخّر ، والمقدّمات المفوّتة ، وعباديّة بعض المقدّمات ، كالطهارات الثلاث ممّا لا يسع الأصوليّ أن يتجاهلها ، ويغفلها. وهذا كلّه ليس بالشيء القليل وإن لم تكن هي

__________________

(١) كلمة «صغرى» منصوبة على الحالية.

(٢) راجع مطارح الأنظار : ٨٠ ـ ٨٢ ؛ بدائع الأفكار (الرشتي) : ٣٤٦ ؛ كفاية الأصول : ١٥٣ ـ ١٥٥ ؛ فوائد الأصول ١ : ٢٩٦ ـ ٣٠٠ ، وغيرها من المطوّلات.

من المسائل الأصوليّة.

ولذا تجد أنّ أهمّ مباحث مسألتنا هي هذه الأمور المنوّه عنها وأمثالها. أمّا نفس البحث عن أصل الملازمة فيكاد يكون بحثا على الهامش ، بل آخر ما يشغل بال الأصوليّين.

هذا ، ونحن اتّباعا لطريقتهم نضع التمهيدات قبل البحث عن أصل المسألة في أمور تسعة :

١. الواجب النفسيّ والغيريّ

تقدّم في الجزء الأوّل (١) معنى الواجب النفسيّ والغيريّ ، ويجب توضيحهما الآن ؛ فإنّه هنا موضع الحاجة لبحثهما ؛ لأنّ الوجوب الغيريّ هو نفس وجوب المقدّمة ـ على تقدير القول بوجوبها ـ ، وعليه فنقول في تعريفهما :

الواجب النفسيّ ما وجب لنفسه لا لواجب آخر.

الواجب الغيريّ ما وجب لواجب آخر.

وهذان التعريفان أسدّ التعريفات لهما وأحسنها (٢) ، ولكن يحتاجان إلى بعض من التوضيح ، فإنّ قولنا : «ما وجب لنفسه» قد يتوّهم منه المتوهّم لأوّل نظرة أنّ العبارة تعطي أنّ معناها أن يكون وجوب الشيء علّة لنفسه في الواجب النفسيّ ، وذلك بمقتضى المقابلة لتعريف الواجب الغيريّ إذ يستفاد منه أنّ وجوب الغير علّة لوجوبه ، كما عليه المشهور (٣). ولا شكّ في أنّ هذا محال في الواجب النفسيّ ؛ إذ كيف يكون الشيء علّة لنفسه؟!

ويندفع هذا التوهّم بأدنى تأمّل ، فإنّ ذلك التعبير عن الواجب النفسيّ صحيح لا غبار عليه ، وهو نظير تعبيرهم عن الله (تعالى) بأنّه «واجب الوجود لذاته» ؛ فإنّ غرضهم منه أنّ وجوده ليس مستفادا من الغير ولا لأجل الغير كالممكن ، لا أنّ معناه أنّه معلول لذاته.

__________________

(١) تقدّم في الصفحة : ٩٢.

(٢) وهما منسوبان إلى الشهرة في أجود التقريرات ١ : ٢٤٢. وقد ذكر لهما تعريفات أخر ، فراجع مطارح الأنظار : ٦٦ ؛ الفصول الغرويّة : ٨٠ ؛ كفاية الأصول : ١٣٥ ؛ فوائد الأصول ١ : ٢١٩ ـ ٢٢٠ ؛ نهاية الأصول : ١٦٦ و ١٦٩.

(٣) نسب إلى المشهور في المحاضرات ٢ : ٣٨٧.