درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۸۹: مقدمه واجب ۵

 

من المسائل الأصوليّة.

ولذا تجد أنّ أهمّ مباحث مسألتنا هي هذه الأمور المنوّه عنها وأمثالها. أمّا نفس البحث عن أصل الملازمة فيكاد يكون بحثا على الهامش ، بل آخر ما يشغل بال الأصوليّين.

هذا ، ونحن اتّباعا لطريقتهم نضع التمهيدات قبل البحث عن أصل المسألة في أمور تسعة :

١. الواجب النفسيّ والغيريّ

تقدّم في الجزء الأوّل (١) معنى الواجب النفسيّ والغيريّ ، ويجب توضيحهما الآن ؛ فإنّه هنا موضع الحاجة لبحثهما ؛ لأنّ الوجوب الغيريّ هو نفس وجوب المقدّمة ـ على تقدير القول بوجوبها ـ ، وعليه فنقول في تعريفهما :

الواجب النفسيّ ما وجب لنفسه لا لواجب آخر.

الواجب الغيريّ ما وجب لواجب آخر.

وهذان التعريفان أسدّ التعريفات لهما وأحسنها (٢) ، ولكن يحتاجان إلى بعض من التوضيح ، فإنّ قولنا : «ما وجب لنفسه» قد يتوّهم منه المتوهّم لأوّل نظرة أنّ العبارة تعطي أنّ معناها أن يكون وجوب الشيء علّة لنفسه في الواجب النفسيّ ، وذلك بمقتضى المقابلة لتعريف الواجب الغيريّ إذ يستفاد منه أنّ وجوب الغير علّة لوجوبه ، كما عليه المشهور (٣). ولا شكّ في أنّ هذا محال في الواجب النفسيّ ؛ إذ كيف يكون الشيء علّة لنفسه؟!

ويندفع هذا التوهّم بأدنى تأمّل ، فإنّ ذلك التعبير عن الواجب النفسيّ صحيح لا غبار عليه ، وهو نظير تعبيرهم عن الله (تعالى) بأنّه «واجب الوجود لذاته» ؛ فإنّ غرضهم منه أنّ وجوده ليس مستفادا من الغير ولا لأجل الغير كالممكن ، لا أنّ معناه أنّه معلول لذاته.

__________________

(١) تقدّم في الصفحة : ٩٢.

(٢) وهما منسوبان إلى الشهرة في أجود التقريرات ١ : ٢٤٢. وقد ذكر لهما تعريفات أخر ، فراجع مطارح الأنظار : ٦٦ ؛ الفصول الغرويّة : ٨٠ ؛ كفاية الأصول : ١٣٥ ؛ فوائد الأصول ١ : ٢١٩ ـ ٢٢٠ ؛ نهاية الأصول : ١٦٦ و ١٦٩.

(٣) نسب إلى المشهور في المحاضرات ٢ : ٣٨٧.

وكذلك هنا نقول في الواجب النفسيّ ؛ فإنّ معنى «ما وجب لنفسه» أنّ وجوبه غير مستفاد من الغير ولا لأجل الغير في قبال الواجب الغيريّ الذي وجوبه لأجل الغير ، لا أنّ وجوبه مستفاد من نفسه.

وبهذا يتّضح معنى تعريف الواجب الغيريّ «ما وجب لواجب آخر» ؛ فإنّ معناه أنّ وجوبه لأجل الغير وتابع للغير ؛ لكونه مقدّمة لذلك الغير الواجب. وسيأتي في البحث الآتي توضيح معنى التبعيّة هذه ليتجلّى لنا المقصود من الوجوب الغيريّ في الباب.

٢. معنى التبعيّة في الوجوب الغيريّ :

قد شاع في تعبيراتهم كثيرا قولهم : «إنّ الواجب الغيريّ تابع في وجوبه لوجوب غيره» ، ولكن هذا التعبير مجمل جدّا ؛ لأنّ التبعيّة في الوجوب يمكن أن تتصوّر لها معان أربعة ، فلا بدّ من بيانها ، وبيان المعنى المقصود منها هنا ، فنقول :

١. أن يكون معنى الوجوب التبعيّ هو الوجوب بالعرض. ومعنى ذلك أنّه ليس في الواقع إلاّ وجوب واحد حقيقيّ ـ وهو الوجوب النفسيّ ـ ينسب إلى ذي المقدّمة أوّلا وبالذات ، وإلى المقدّمة ثانيا وبالعرض. وذلك نظير الوجود بالنسبة إلى اللفظ والمعنى حينما يقال : «المعنى موجود باللفظ» ، فإنّ المقصود بذلك أنّ هناك وجودا واحدا حقيقيّا ينسب إلى اللفظ أوّلا وبالذات ، وإلى المعنى ثانيا وبالعرض.

ولكن هذا الوجه من التبعيّة لا ينبغي أن يكون هو المقصود من التبعيّة هنا ؛ لأنّ المقصود من الوجوب الغيريّ وجوب حقيقيّ آخر يثبت للمقدّمة غير وجوب ذيها النفسيّ ، بأن يكون لكلّ من المقدّمة وذيها وجوب قائم به حقيقة. ومعنى التبعيّة في هذا الوجه أنّ الوجوب الحقيقيّ واحد ويكون الوجوب الثاني وجوبا مجازيّا. على أنّ هذا الوجوب بالعرض ليس وجوبا يزيد على اللابدّيّة العقليّة للمقدّمة حتّى يمكن فرض النزاع فيه نزاعا عمليّا.

٢. أن يكون معنى التبعيّة صرف التأخّر في الوجود ، فيكون ترتّب الوجوب الغيريّ على الوجوب النفسيّ نظير ترتّب أحد الوجودين المستقلّين على الآخر ، بأن يفرض البعث الموجّه للمقدّمة بعثا مستقلاّ ، ولكنّه بعد البعث نحو ذيها ، مرتّب عليه في الوجود ، فيكون