درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۹۰: مقدمه واجب ۶

 

وكذلك هنا نقول في الواجب النفسيّ ؛ فإنّ معنى «ما وجب لنفسه» أنّ وجوبه غير مستفاد من الغير ولا لأجل الغير في قبال الواجب الغيريّ الذي وجوبه لأجل الغير ، لا أنّ وجوبه مستفاد من نفسه.

وبهذا يتّضح معنى تعريف الواجب الغيريّ «ما وجب لواجب آخر» ؛ فإنّ معناه أنّ وجوبه لأجل الغير وتابع للغير ؛ لكونه مقدّمة لذلك الغير الواجب. وسيأتي في البحث الآتي توضيح معنى التبعيّة هذه ليتجلّى لنا المقصود من الوجوب الغيريّ في الباب.

٢. معنى التبعيّة في الوجوب الغيريّ :

قد شاع في تعبيراتهم كثيرا قولهم : «إنّ الواجب الغيريّ تابع في وجوبه لوجوب غيره» ، ولكن هذا التعبير مجمل جدّا ؛ لأنّ التبعيّة في الوجوب يمكن أن تتصوّر لها معان أربعة ، فلا بدّ من بيانها ، وبيان المعنى المقصود منها هنا ، فنقول :

١. أن يكون معنى الوجوب التبعيّ هو الوجوب بالعرض. ومعنى ذلك أنّه ليس في الواقع إلاّ وجوب واحد حقيقيّ ـ وهو الوجوب النفسيّ ـ ينسب إلى ذي المقدّمة أوّلا وبالذات ، وإلى المقدّمة ثانيا وبالعرض. وذلك نظير الوجود بالنسبة إلى اللفظ والمعنى حينما يقال : «المعنى موجود باللفظ» ، فإنّ المقصود بذلك أنّ هناك وجودا واحدا حقيقيّا ينسب إلى اللفظ أوّلا وبالذات ، وإلى المعنى ثانيا وبالعرض.

ولكن هذا الوجه من التبعيّة لا ينبغي أن يكون هو المقصود من التبعيّة هنا ؛ لأنّ المقصود من الوجوب الغيريّ وجوب حقيقيّ آخر يثبت للمقدّمة غير وجوب ذيها النفسيّ ، بأن يكون لكلّ من المقدّمة وذيها وجوب قائم به حقيقة. ومعنى التبعيّة في هذا الوجه أنّ الوجوب الحقيقيّ واحد ويكون الوجوب الثاني وجوبا مجازيّا. على أنّ هذا الوجوب بالعرض ليس وجوبا يزيد على اللابدّيّة العقليّة للمقدّمة حتّى يمكن فرض النزاع فيه نزاعا عمليّا.

٢. أن يكون معنى التبعيّة صرف التأخّر في الوجود ، فيكون ترتّب الوجوب الغيريّ على الوجوب النفسيّ نظير ترتّب أحد الوجودين المستقلّين على الآخر ، بأن يفرض البعث الموجّه للمقدّمة بعثا مستقلاّ ، ولكنّه بعد البعث نحو ذيها ، مرتّب عليه في الوجود ، فيكون

من قبيل الأمر بالحجّ المرتّب وجودا على حصول الاستطاعة ، ومن قبيل الأمر بالصلاة بعد حصول البلوغ أو دخول الوقت.

ولكن هذا الوجه من التبعيّة أيضا لا ينبغي أن يكون هو المقصود هنا ؛ فإنّه لو كان ذلك هو المقصود ، لكان هذا الوجوب للمقدّمة ـ في الحقيقة ـ وجوبا نفسيّا آخر في مقابل وجوب ذي المقدّمة ، وإنّما يكون وجوب ذي المقدّمة له السبق في الوجود فقط. وهذا ينافي حقيقة المقدّميّة ؛ فإنّها لا تكون إلاّ موصلة إلى ذي المقدّمة في وجودها وفي وجوبها معا.

٣. أن يكون معنى التبعيّة ترشّح الوجوب الغيريّ من الوجوب النفسيّ لذي المقدّمة على وجه يكون معلولا له ومنبعثا منه انبعاث الأثر من مؤثّره التكوينيّ ، كانبعاث الحرارة من النار.

وكأنّ هذا الوجه من التبعيّة هو المقصود للقوم ، ولذا قالوا بأنّ وجوب المقدّمة تابع لوجوب ذيها إطلاقا واشتراطا (١) لمكان هذه المعلوليّة ؛ لأنّ المعلول لا يتحقّق إلاّ حيث تتحقّق علّته ، وإذا تحقّقت العلّة لا بدّ من تحقّقه بصورة لا يتخلّف عنها. وأيضا علّلوا امتناع وجوب المقدّمة قبل وجوب ذيها بامتناع وجود المعلول قبل وجود علّته.

ولكن هذا الوجه لا ينبغي أن يكون هو المقصود من تبعيّة الوجوب الغيريّ ، وإن اشتهر على الألسنة ؛ لأنّ الوجوب النفسيّ لو كان علّة للوجوب الغيريّ فلا يصحّ فرضه إلاّ علّة فاعليّة تكوينيّة دون غيرها من العلل ؛ فإنّه لا معنى لفرضه علّة صوريّة ، أو مادّيّة ، أو غائية ، ولكن فرضه علّة فاعليّة أيضا باطل جزما ؛ لوضوح أنّ العلّة الفاعليّة الحقيقيّة للوجوب هو الآمر ؛ لأنّ الأمر فعل الآمر.

والظاهر أنّ السبب في اشتهار معلوليّة الوجوب الغيريّ هو أنّ شوق الآمر للمقدّمة هو الذي يكون منبعثا من الشوق إلى ذي المقدّمة ؛ لأنّ الإنسان إذا اشتاق إلى فعل شيء اشتاق بالتبع إلى فعل كلّ ما يتوقّف عليه. ولكنّ الشوق إلى فعل الشيء من الغير ليس هو الوجوب ، وإنّما الشوق إلى فعل الغير يدفع الآمر إلى الأمر به إذا لم يحصل ما يمنع من الأمر به ، فإذا صدر منه الأمر ـ وهو أهل له ـ انتزع منه الوجوب.

__________________

(١) ومن القائلين به المحقّق الخراسانيّ في كفاية الأصول : ١٢٥ و ١٤٢.