درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۹۱: مقدمه واجب ۷

 

من قبيل الأمر بالحجّ المرتّب وجودا على حصول الاستطاعة ، ومن قبيل الأمر بالصلاة بعد حصول البلوغ أو دخول الوقت.

ولكن هذا الوجه من التبعيّة أيضا لا ينبغي أن يكون هو المقصود هنا ؛ فإنّه لو كان ذلك هو المقصود ، لكان هذا الوجوب للمقدّمة ـ في الحقيقة ـ وجوبا نفسيّا آخر في مقابل وجوب ذي المقدّمة ، وإنّما يكون وجوب ذي المقدّمة له السبق في الوجود فقط. وهذا ينافي حقيقة المقدّميّة ؛ فإنّها لا تكون إلاّ موصلة إلى ذي المقدّمة في وجودها وفي وجوبها معا.

٣. أن يكون معنى التبعيّة ترشّح الوجوب الغيريّ من الوجوب النفسيّ لذي المقدّمة على وجه يكون معلولا له ومنبعثا منه انبعاث الأثر من مؤثّره التكوينيّ ، كانبعاث الحرارة من النار.

وكأنّ هذا الوجه من التبعيّة هو المقصود للقوم ، ولذا قالوا بأنّ وجوب المقدّمة تابع لوجوب ذيها إطلاقا واشتراطا (١) لمكان هذه المعلوليّة ؛ لأنّ المعلول لا يتحقّق إلاّ حيث تتحقّق علّته ، وإذا تحقّقت العلّة لا بدّ من تحقّقه بصورة لا يتخلّف عنها. وأيضا علّلوا امتناع وجوب المقدّمة قبل وجوب ذيها بامتناع وجود المعلول قبل وجود علّته.

ولكن هذا الوجه لا ينبغي أن يكون هو المقصود من تبعيّة الوجوب الغيريّ ، وإن اشتهر على الألسنة ؛ لأنّ الوجوب النفسيّ لو كان علّة للوجوب الغيريّ فلا يصحّ فرضه إلاّ علّة فاعليّة تكوينيّة دون غيرها من العلل ؛ فإنّه لا معنى لفرضه علّة صوريّة ، أو مادّيّة ، أو غائية ، ولكن فرضه علّة فاعليّة أيضا باطل جزما ؛ لوضوح أنّ العلّة الفاعليّة الحقيقيّة للوجوب هو الآمر ؛ لأنّ الأمر فعل الآمر.

والظاهر أنّ السبب في اشتهار معلوليّة الوجوب الغيريّ هو أنّ شوق الآمر للمقدّمة هو الذي يكون منبعثا من الشوق إلى ذي المقدّمة ؛ لأنّ الإنسان إذا اشتاق إلى فعل شيء اشتاق بالتبع إلى فعل كلّ ما يتوقّف عليه. ولكنّ الشوق إلى فعل الشيء من الغير ليس هو الوجوب ، وإنّما الشوق إلى فعل الغير يدفع الآمر إلى الأمر به إذا لم يحصل ما يمنع من الأمر به ، فإذا صدر منه الأمر ـ وهو أهل له ـ انتزع منه الوجوب.

__________________

(١) ومن القائلين به المحقّق الخراسانيّ في كفاية الأصول : ١٢٥ و ١٤٢.

والحاصل : ليس الوجوب الغيريّ معلولا للوجوب النفسيّ في ذي المقدّمة ، ولا ينتهي إليه في سلسلة العلل ، وإنّما ينتهي الوجوب الغيريّ في سلسلة علله إلى الشوق إلى ذي المقدّمة إذا لم يكن هناك مانع لدى الآمر من الأمر بالمقدّمة ، لأنّ الشوق ـ على كلّ حال ـ ليس علّة تامّة إلى فعل ما يشتاق إليه. فتذكّر هذا ، فإنّه سينفعك في وجوب المقدّمة المفوّتة وفي أصل وجوب المقدّمة ، فإنّه بهذا البيان سيتّضح كيف يمكن فرض وجوب المقدّمة المفوّتة قبل وجوب ذيها؟ ، وبهذا البيان سيتّضح أيضا كيف إنّ المقدّمة مطلقا ليست واجبة بالوجوب المولويّ؟.

٤. أن يكون معنى التبعيّة هو ترشّح الوجوب الغيريّ من الوجوب النفسيّ ولكن لا بمعنى أنّه معلول له ، بل بمعنى أنّ الباعث للوجوب الغيريّ ـ على تقدير القول به ـ هو الوجوب النفسيّ باعتبار أنّ الأمر بالمقدّمة والبعث نحوها إنّما هو لغاية التوصّل إلى ذيها الواجب وتحصيله ، فيكون وجوبها وصلة وطريقا إلى تحصيل ذيها ، ولو لا أنّ ذاها كان مرادا للمولى لما أوجب المقدّمة.

ويشير إلى هذا المعنى من التبعيّة تعريفهم للواجب الغيريّ بأنّه : «ما وجب لواجب آخر» ، أي لغاية واجب آخر ولغرض تحصيله والتوصّل إليه ، فيكون الغرض من وجوب المقدّمة ـ على تقدير القول به ـ هو تحصيل ذيها الواجب.

وهذا المعنى هو الذي ينبغي أن يكون معنى التبعيّة المقصودة في الوجوب الغيريّ. ويلزمها أن يكون الوجوب الغيريّ تابعا لوجوبه إطلاقا واشتراطا.

وعليه ، فالوجوب الغيريّ وجوب حقيقيّ ولكنّه وجوب تبعيّ توصّليّ آليّ ، وشأن وجوب المقدّمة شأن نفس المقدّمة. فكما أنّ المقدّمة بما هي مقدّمة لا يقصد فاعلها إلاّ التوصّل إلى ذيها ، كذلك وجوبها إنّما هو للتوصّل إلى تحصيل ذيها ، كالآلة الموصلة التي لا تقصد بالأصالة والاستقلال.

وسرّ هذا واضح ، فإنّ المولى ـ بناء على القول بوجوب المقدّمة ـ إذا أمر بذي المقدّمة ، فإنّه لا بدّ له لغرض تحصيله من المكلّف أن يدفعه ويبعثه نحو مقدّماته ، فيأمره بها توصّلا إلى غرضه.