درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۹۲: مقدمه واجب ۸

 

والحاصل : ليس الوجوب الغيريّ معلولا للوجوب النفسيّ في ذي المقدّمة ، ولا ينتهي إليه في سلسلة العلل ، وإنّما ينتهي الوجوب الغيريّ في سلسلة علله إلى الشوق إلى ذي المقدّمة إذا لم يكن هناك مانع لدى الآمر من الأمر بالمقدّمة ، لأنّ الشوق ـ على كلّ حال ـ ليس علّة تامّة إلى فعل ما يشتاق إليه. فتذكّر هذا ، فإنّه سينفعك في وجوب المقدّمة المفوّتة وفي أصل وجوب المقدّمة ، فإنّه بهذا البيان سيتّضح كيف يمكن فرض وجوب المقدّمة المفوّتة قبل وجوب ذيها؟ ، وبهذا البيان سيتّضح أيضا كيف إنّ المقدّمة مطلقا ليست واجبة بالوجوب المولويّ؟.

٤. أن يكون معنى التبعيّة هو ترشّح الوجوب الغيريّ من الوجوب النفسيّ ولكن لا بمعنى أنّه معلول له ، بل بمعنى أنّ الباعث للوجوب الغيريّ ـ على تقدير القول به ـ هو الوجوب النفسيّ باعتبار أنّ الأمر بالمقدّمة والبعث نحوها إنّما هو لغاية التوصّل إلى ذيها الواجب وتحصيله ، فيكون وجوبها وصلة وطريقا إلى تحصيل ذيها ، ولو لا أنّ ذاها كان مرادا للمولى لما أوجب المقدّمة.

ويشير إلى هذا المعنى من التبعيّة تعريفهم للواجب الغيريّ بأنّه : «ما وجب لواجب آخر» ، أي لغاية واجب آخر ولغرض تحصيله والتوصّل إليه ، فيكون الغرض من وجوب المقدّمة ـ على تقدير القول به ـ هو تحصيل ذيها الواجب.

وهذا المعنى هو الذي ينبغي أن يكون معنى التبعيّة المقصودة في الوجوب الغيريّ. ويلزمها أن يكون الوجوب الغيريّ تابعا لوجوبه إطلاقا واشتراطا.

وعليه ، فالوجوب الغيريّ وجوب حقيقيّ ولكنّه وجوب تبعيّ توصّليّ آليّ ، وشأن وجوب المقدّمة شأن نفس المقدّمة. فكما أنّ المقدّمة بما هي مقدّمة لا يقصد فاعلها إلاّ التوصّل إلى ذيها ، كذلك وجوبها إنّما هو للتوصّل إلى تحصيل ذيها ، كالآلة الموصلة التي لا تقصد بالأصالة والاستقلال.

وسرّ هذا واضح ، فإنّ المولى ـ بناء على القول بوجوب المقدّمة ـ إذا أمر بذي المقدّمة ، فإنّه لا بدّ له لغرض تحصيله من المكلّف أن يدفعه ويبعثه نحو مقدّماته ، فيأمره بها توصّلا إلى غرضه.

فيكون البعث نحو المقدّمة ـ على هذا ـ بعثا حقيقيّا ، لا أنّه يتبع البعث إلى ذيها على وجه ينسب إليها بالعرض ، كما في الوجه الأوّل ، ولا أنّه يبعثه ببعث مستقلّ لنفس المقدّمة ولغرض فيها بعد البعث نحو ذيها ، كما في الوجه الثاني ، ولا أنّ البعث نحو المقدّمة من آثار البعث نحو ذيها على وجه يكون معلولا له كما في الوجه الثالث. وسيأتي تتمّة للبحث في المقدّمات المفوّتة.

٣. خصائص الوجوب الغيريّ

بعد ما اتّضح معنى التبعيّة في الوجوب الغيريّ تتّضح لنا خصائصه التي بها يمتاز عن الوجوب النفسيّ ، وهي أمور :

١. إنّ الواجب الغيريّ كما لا بعث استقلاليّ له ـ كما تقدّم ـ لا إطاعة استقلاليّة له ، وإنّما إطاعته كوجوبه لغرض التوصّل إلى ذي المقدّمة ، بخلاف الواجب النفسيّ ؛ فإنّه واجب لنفسه ويطاع لنفسه.

٢. إنّه بعد أن قلنا : إنّه لا إطاعة استقلاليّة للوجوب الغيريّ ، وإنّما إطاعته كوجوبه لصرف التوصّل إلى ذي المقدّمة ، فلا بدّ ألاّ يكون له ثواب على إطاعته (١) غير الثواب الذي يحصل على إطاعة وجوب ذي المقدّمة ، كما لا عقاب على عصيانه غير العقاب على عصيان وجوب ذي المقدّمة. ولذا نجد أنّ من ترك الواجب بترك مقدّماته لا يستحقّ أكثر من عقاب واحد على نفس الواجب النفسيّ ، لا أنّه يستحقّ عقابات متعدّدة بعدد مقدّماته المتروكة.

وأمّا : ما ورد في الشريعة ـ من الثواب على بعض المقدّمات مثل ما ورد من الثواب

__________________

(١) يرى السيّد الجليل المحقّق الخوئي * أنّ المقدّمة أمر قابل لأن يأتي به الفاعل مضافا به إلى المولى ، فيترتّب على فعلها الثواب إذا أتى بها كذلك. ولا ملازمة عنده بين ترتّب الثواب على عمل وعدم استحقاق العقاب على تركه ، ولا يفرق في ذلك بين القول بوجوب المقدّمة وعدمه. وهو رأي وجيه باعتبار أنّ فعل المقدّمة يعدّ شروعا في امتثال ذيها. ـ منه رحمه‌الله ـ.

__________________

* راجع محاضرات في أصول الفقه ٢ : ٣٩٦ ـ ٣٩٧.