درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۹۳: مقدمه واجب ۹

 

فيكون البعث نحو المقدّمة ـ على هذا ـ بعثا حقيقيّا ، لا أنّه يتبع البعث إلى ذيها على وجه ينسب إليها بالعرض ، كما في الوجه الأوّل ، ولا أنّه يبعثه ببعث مستقلّ لنفس المقدّمة ولغرض فيها بعد البعث نحو ذيها ، كما في الوجه الثاني ، ولا أنّ البعث نحو المقدّمة من آثار البعث نحو ذيها على وجه يكون معلولا له كما في الوجه الثالث. وسيأتي تتمّة للبحث في المقدّمات المفوّتة.

٣. خصائص الوجوب الغيريّ

بعد ما اتّضح معنى التبعيّة في الوجوب الغيريّ تتّضح لنا خصائصه التي بها يمتاز عن الوجوب النفسيّ ، وهي أمور :

١. إنّ الواجب الغيريّ كما لا بعث استقلاليّ له ـ كما تقدّم ـ لا إطاعة استقلاليّة له ، وإنّما إطاعته كوجوبه لغرض التوصّل إلى ذي المقدّمة ، بخلاف الواجب النفسيّ ؛ فإنّه واجب لنفسه ويطاع لنفسه.

٢. إنّه بعد أن قلنا : إنّه لا إطاعة استقلاليّة للوجوب الغيريّ ، وإنّما إطاعته كوجوبه لصرف التوصّل إلى ذي المقدّمة ، فلا بدّ ألاّ يكون له ثواب على إطاعته (١) غير الثواب الذي يحصل على إطاعة وجوب ذي المقدّمة ، كما لا عقاب على عصيانه غير العقاب على عصيان وجوب ذي المقدّمة. ولذا نجد أنّ من ترك الواجب بترك مقدّماته لا يستحقّ أكثر من عقاب واحد على نفس الواجب النفسيّ ، لا أنّه يستحقّ عقابات متعدّدة بعدد مقدّماته المتروكة.

وأمّا : ما ورد في الشريعة ـ من الثواب على بعض المقدّمات مثل ما ورد من الثواب

__________________

(١) يرى السيّد الجليل المحقّق الخوئي * أنّ المقدّمة أمر قابل لأن يأتي به الفاعل مضافا به إلى المولى ، فيترتّب على فعلها الثواب إذا أتى بها كذلك. ولا ملازمة عنده بين ترتّب الثواب على عمل وعدم استحقاق العقاب على تركه ، ولا يفرق في ذلك بين القول بوجوب المقدّمة وعدمه. وهو رأي وجيه باعتبار أنّ فعل المقدّمة يعدّ شروعا في امتثال ذيها. ـ منه رحمه‌الله ـ.

__________________

* راجع محاضرات في أصول الفقه ٢ : ٣٩٦ ـ ٣٩٧.

على المشي على القدم إلى الحجّ (١) أو زيارة الحسين عليه‌السلام (٢) وأنّه في كلّ خطوة كذا من الثواب ـ فينبغي ـ على هذا ـ أن يحمل على توزيع ثواب نفس العمل على مقدّماته باعتبار «أنّ أفضل الأعمال أحمزها» (٣) ، وكلّما كثرت مقدّمات العمل وزادت صعوبتها كثرت حمازة العمل ومشقّته ، فينسب الثواب إلى المقدّمة مجازا ثانيا وبالعرض ، باعتبار أنّها السبب في زيادة مقدار الحمازة والمشقّة في نفس العمل ، فتكون السبب في زيادة الثواب ، لا أنّ الثواب على نفس المقدّمة.

ومن أجل أنّه لا ثواب على المقدّمة استشكلوا في استحقاق الثواب على فعل بعض المقدّمات ، كالطهارات الثلاث ، الظاهر منه أنّ الثواب على نفس المقدّمة بما هي. وسيأتي حلّه إن شاء الله (تعالى). (٤)

٣. إنّ الوجوب الغيريّ لا يكون إلاّ توصّليّا ، أي لا يكون في حقيقته عباديّا ، ولا يقتضي في نفسه عباديّة المقدّمة ، إذا لا يتحقّق فيه قصد الامتثال على نحو الاستقلال ، كما قلنا في الخاصّة الأولى : أنّه لا إطاعة استقلاليّة له ، بل إنّما يؤتى بالمقدّمة بقصد التوصّل إلى ذيها ، وإطاعة أمر ذيها ، فالمقصود بالامتثال به نفس أمر ذيها.

ومن هنا استشكلوا في عباديّة بعض المقدّمات ، كالطهارات الثلاث. وسيأتي حلّه إن شاء الله (تعالى). (٥)

٤. إنّ الوجوب الغيريّ تابع لوجوب ذي المقدّمة إطلاقا واشتراطا ، وفعليّة وقوّة ، قضاء لحقّ التبعيّة ، كما

تقدّم. ومعنى ذلك : أنّه كلّ ما هو شرط في وجوب ذي المقدّمة فهو

__________________

(١) عن أبى عبد الله عليه‌السلام قال : «ما عبد الله بشيء أشدّ من المشي ولا أفضل». الوسائل ٨ : ٥٤ ـ ٥٥ ، الباب ٣٢ من أبواب وجوب الحجّ ، الحديث ١ و ٧.

وروي عن ابن عبّاس ، قال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : «من حجّ بيت الله ماشيا ، كتب الله له سبعة آلاف حسنة من حسنات الحرم ...» راجع الحديث ٩ من المصدر السابق.

(٢) والرويات الواردة في هذا الباب كثيرة جدّا ، راجع الوسائل ١٠ : ٣٤١ ـ ٣٤٣ ، الباب ٤١ من أبواب المزار.

(٣) بحار الأنوار ٧٠ : ١٩١.

(٤) يأتي في الأمر التاسع عند قوله : «ومن هنا يصحّ أن يقع كلّ مقدّمة عبادة ...».

(٥) يأتي في الأمر التاسع.