درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۹۴: مقدمه واجب ۱۰

 

على المشي على القدم إلى الحجّ (١) أو زيارة الحسين عليه‌السلام (٢) وأنّه في كلّ خطوة كذا من الثواب ـ فينبغي ـ على هذا ـ أن يحمل على توزيع ثواب نفس العمل على مقدّماته باعتبار «أنّ أفضل الأعمال أحمزها» (٣) ، وكلّما كثرت مقدّمات العمل وزادت صعوبتها كثرت حمازة العمل ومشقّته ، فينسب الثواب إلى المقدّمة مجازا ثانيا وبالعرض ، باعتبار أنّها السبب في زيادة مقدار الحمازة والمشقّة في نفس العمل ، فتكون السبب في زيادة الثواب ، لا أنّ الثواب على نفس المقدّمة.

ومن أجل أنّه لا ثواب على المقدّمة استشكلوا في استحقاق الثواب على فعل بعض المقدّمات ، كالطهارات الثلاث ، الظاهر منه أنّ الثواب على نفس المقدّمة بما هي. وسيأتي حلّه إن شاء الله (تعالى). (٤)

٣. إنّ الوجوب الغيريّ لا يكون إلاّ توصّليّا ، أي لا يكون في حقيقته عباديّا ، ولا يقتضي في نفسه عباديّة المقدّمة ، إذا لا يتحقّق فيه قصد الامتثال على نحو الاستقلال ، كما قلنا في الخاصّة الأولى : أنّه لا إطاعة استقلاليّة له ، بل إنّما يؤتى بالمقدّمة بقصد التوصّل إلى ذيها ، وإطاعة أمر ذيها ، فالمقصود بالامتثال به نفس أمر ذيها.

ومن هنا استشكلوا في عباديّة بعض المقدّمات ، كالطهارات الثلاث. وسيأتي حلّه إن شاء الله (تعالى). (٥)

٤. إنّ الوجوب الغيريّ تابع لوجوب ذي المقدّمة إطلاقا واشتراطا ، وفعليّة وقوّة ، قضاء لحقّ التبعيّة ، كما

تقدّم. ومعنى ذلك : أنّه كلّ ما هو شرط في وجوب ذي المقدّمة فهو

__________________

(١) عن أبى عبد الله عليه‌السلام قال : «ما عبد الله بشيء أشدّ من المشي ولا أفضل». الوسائل ٨ : ٥٤ ـ ٥٥ ، الباب ٣٢ من أبواب وجوب الحجّ ، الحديث ١ و ٧.

وروي عن ابن عبّاس ، قال : سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : «من حجّ بيت الله ماشيا ، كتب الله له سبعة آلاف حسنة من حسنات الحرم ...» راجع الحديث ٩ من المصدر السابق.

(٢) والرويات الواردة في هذا الباب كثيرة جدّا ، راجع الوسائل ١٠ : ٣٤١ ـ ٣٤٣ ، الباب ٤١ من أبواب المزار.

(٣) بحار الأنوار ٧٠ : ١٩١.

(٤) يأتي في الأمر التاسع عند قوله : «ومن هنا يصحّ أن يقع كلّ مقدّمة عبادة ...».

(٥) يأتي في الأمر التاسع.

شرط في وجوب المقدّمة ، وما ليس بشرط لا يكون شرطا لوجوبها ، كما أنّه كلّما تحقّق وجوب ذي المقدّمة تحقّق معه وجوب المقدّمة. وعلى هذا قيل : يستحيل تحقّق وجوب فعليّ للمقدّمة قبل تحقّق وجوب ذيها ؛ لاستحالة حصول التابع قبل حصول متبوعه ، أو لاستحالة حصول المعلول قبل حصول علّته بناء على أنّ وجوب المقدّمة معلول لوجوب ذيها.

ومن هنا استشكلوا في وجوب المقدّمة قبل زمان ذيها في المقدّمات المفوّتة ، كوجوب الغسل ـ مثلا ـ قبل الفجر لإدراك الصوم على طهارة حين طلوع الفجر ، فعدم تحصيل الغسل قبل الفجر يكون مفوّتا للواجب في وقته ، ولهذا سمّيت : «مقدّمة مفوّتة» باعتبار أنّ تركها قبل الوقت يكون مفوّتا للواجب في وقته ، فقالوا بوجوبها قبل الوقت مع أنّ الصوم لا يجب قبل وقته ، فكيف تفرض فعليّة وجوب مقدّمته؟!

وسيأتي إن شاء الله (تعالى) حلّ هذا الإشكال في بحث المقدّمات المفوّتة (١).

تمرينات (٣٥)

التمرين الأوّل

١. ما هو محلّ النزاع في مقدّمة الواجب؟

٢. كيف تدخل مسألة مقدّمة الواجب في باب الملازمات العقليّة؟ ولما ذا أدرجها الأكثر في مباحث الألفاظ؟

٣. ما هي ثمرة النزاع في مقدّمة الواجب ، عمليّة وعلميّة.

٤. ما تعريف الواجب النفسيّ والغيريّ؟

٥. كيف يدفع الاعتراض على تعريف الواجب النفسيّ بأنّه يلزم كون الشيء علّة لنفسه؟

٦. اذكر معاني التبعيّة في الوجوب ، وبيّن المعنى المقصود منها في الوجوب الغيريّ.

٧. ما هي خصائص الوجوب الغيريّ؟

التمرين الثاني

١. بيّن آراء العلماء في أنّ مسألة مقدّمة الواجب هل هي من المسائل الأصوليّة أم لا؟

__________________

(١) يأتي في الأمر الثامن.

٤. مقدّمة الوجوب

قسّموا المقدّمة إلى قسمين مشهورين :

١. مقدّمة الوجوب وتسمّى «المقدّمة الوجوبيّة» ، وهي : ما يتوقّف عليها نفس الوجوب ، بأن تكون شرطا للوجوب على قول مشهور (١). وقيل : إنّها تؤخذ في الواجب على وجه تكون مفروضة التحقّق والوجود على قول آخر (٢) ، ومع ذلك تسمّى «مقدّمة الوجوب». ومثالها الاستطاعة بالنسبة إلى الحجّ ، وكالبلوغ ، والعقل ، والقدرة بالنسبة إلى جميع الواجبات ، ويسمّى الواجب بالنسبة إليها «الواجب المشروط».

٢. مقدّمة الواجب وتسمّى «المقدّمة الوجوديّة» ، وهي ما يتوقّف عليها وجود الواجب بعد فرض عدم تقييد الوجوب بها ؛ بل يكون الوجوب بالنسبة إليها (٣) مطلقا ، ولا تؤخذ بالنسبة إليه (٤) مفروضة الوجود ، بل لا بدّ من تحصيلها مقدّمة لتحصيله ، كالوضوء بالنسبة إلى الصلاة ، والسفر بالنسبة إلى الحجّ ونحو ذلك. ويسمّى الواجب بالنسبة إليها «الواجب المطلق» (٥).

والمقصود من ذكر هذا التقسيم بيان أنّ محلّ النزاع في مقدّمة الواجب هو خصوص القسم الثاني ، أعني المقدّمة الوجوديّة ، دون المقدّمة الوجوبيّة. والسرّ واضح ؛ لأنّه إذا كانت المقدّمة الوجوبيّة مأخوذة على أنّها مفروضة الحصول فلا معنى لوجوب تحصيلها ، فإنّه خلف (٦) ، فلا يجب تحصيل الاستطاعة لأجل الحجّ ، بل إن اتّفق حصول الاستطاعة ، وجب

__________________

(١) وهو القول بأنّ الشرط في الواجب المشروط يرجع إلى الهيئة ، كما ذهب إليه في القوانين ١ : ١٠٠ ، وهداية المسترشدين : ١٩٢ ، والفصول : ٧٩ ، والكفاية : ١٢١ ، والمحاضرات ٢ : ٣٢٩.

(٢) وهو القول برجوع الشرط في الواجب المشروط إلى المادّة ، كما ذهب إليه الشيخ الأنصاريّ على ما في مطارح الأنظار : ٤٥ ـ ٤٦.

(٣) أي بالنسبة إلى مقدّمة الوجود.

(٤) أي بالنسبة إلى الواجب.

(٥) راجع عن الواجب المشروط والمطلق ، الجزء الأوّل ص ١٠٤. ـ منه رحمه‌الله ـ.

(٦) بيان ذلك : أنّ المقدّمة الوجوبيّة ـ كما مرّ ـ هي ما يتوقّف عليه وجوب الواجب ، بأن يكون شرطا لوجوب ـ