درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۹۵: مقدمه واجب ۱۱

 

٤. مقدّمة الوجوب

قسّموا المقدّمة إلى قسمين مشهورين :

١. مقدّمة الوجوب وتسمّى «المقدّمة الوجوبيّة» ، وهي : ما يتوقّف عليها نفس الوجوب ، بأن تكون شرطا للوجوب على قول مشهور (١). وقيل : إنّها تؤخذ في الواجب على وجه تكون مفروضة التحقّق والوجود على قول آخر (٢) ، ومع ذلك تسمّى «مقدّمة الوجوب». ومثالها الاستطاعة بالنسبة إلى الحجّ ، وكالبلوغ ، والعقل ، والقدرة بالنسبة إلى جميع الواجبات ، ويسمّى الواجب بالنسبة إليها «الواجب المشروط».

٢. مقدّمة الواجب وتسمّى «المقدّمة الوجوديّة» ، وهي ما يتوقّف عليها وجود الواجب بعد فرض عدم تقييد الوجوب بها ؛ بل يكون الوجوب بالنسبة إليها (٣) مطلقا ، ولا تؤخذ بالنسبة إليه (٤) مفروضة الوجود ، بل لا بدّ من تحصيلها مقدّمة لتحصيله ، كالوضوء بالنسبة إلى الصلاة ، والسفر بالنسبة إلى الحجّ ونحو ذلك. ويسمّى الواجب بالنسبة إليها «الواجب المطلق» (٥).

والمقصود من ذكر هذا التقسيم بيان أنّ محلّ النزاع في مقدّمة الواجب هو خصوص القسم الثاني ، أعني المقدّمة الوجوديّة ، دون المقدّمة الوجوبيّة. والسرّ واضح ؛ لأنّه إذا كانت المقدّمة الوجوبيّة مأخوذة على أنّها مفروضة الحصول فلا معنى لوجوب تحصيلها ، فإنّه خلف (٦) ، فلا يجب تحصيل الاستطاعة لأجل الحجّ ، بل إن اتّفق حصول الاستطاعة ، وجب

__________________

(١) وهو القول بأنّ الشرط في الواجب المشروط يرجع إلى الهيئة ، كما ذهب إليه في القوانين ١ : ١٠٠ ، وهداية المسترشدين : ١٩٢ ، والفصول : ٧٩ ، والكفاية : ١٢١ ، والمحاضرات ٢ : ٣٢٩.

(٢) وهو القول برجوع الشرط في الواجب المشروط إلى المادّة ، كما ذهب إليه الشيخ الأنصاريّ على ما في مطارح الأنظار : ٤٥ ـ ٤٦.

(٣) أي بالنسبة إلى مقدّمة الوجود.

(٤) أي بالنسبة إلى الواجب.

(٥) راجع عن الواجب المشروط والمطلق ، الجزء الأوّل ص ١٠٤. ـ منه رحمه‌الله ـ.

(٦) بيان ذلك : أنّ المقدّمة الوجوبيّة ـ كما مرّ ـ هي ما يتوقّف عليه وجوب الواجب ، بأن يكون شرطا لوجوب ـ

الحجّ عندها. وذلك نظير الفوت في قوله عليه‌السلام : «اقض ما فات كما فات» (١) ؛ فإنّه لا يجب تحصيله لأجل امتثال الأمر بالقضاء ، بل إن اتّفق الفوت وجب القضاء.

٥. المقدّمة الداخليّة

تنقسم المقدّمة الوجوديّة إلى قسمين : داخليّة وخارجيّة.

١. «المقدّمة الداخليّة» هي جزء الواجب المركّب ، كالصلاة. وإنّما اعتبروا الجزء مقدّمة ، فباعتبار أنّ المركّب متوقّف في وجوده على أجزائه ، فكلّ جزء في نفسه هو مقدّمة لوجود المركّب ، كتقدّم الواحد على الاثنين. وإنّما سمّيت : «داخليّة» فلأجل أنّ الجزء داخل في قوام المركّب ، وليس للمركّب وجود مستقلّ غير نفس وجود الأجزاء.

٢. «المقدّمة الخارجيّة» وهي كلّ ما يتوقّف عليه الواجب وله وجود مستقلّ خارج عن وجود الواجب.

والغرض من ذكر هذا التقسيم هو بيان أنّ النزاع في مقدّمة الواجب هل يشمل المقدّمة الداخليّة أو أنّ ذلك يختصّ بالخارجيّة؟

ولقد أنكر جماعة شمول النزاع للداخليّة (٢). وسندهم في هذا الإنكار أحد أمرين :

الأوّل : إنكار المقدّميّة للجزء رأسا ، باعتبار أنّ المركّب نفس الأجزاء بالأسر فكيف يفرض توقّف الشيء على نفسه؟! (٣)

__________________

ـ الواجب ، وإذا انتفى الشرط ينتفي المشروط ، فلا وجوب للواجب قبل وجود المقدّمة الوجوبيّة حتى يجب تحصيلها ، وأمّا بعد وجود المقدّمة الوجوبيّة فوجوبها تحصيل للحاصل. ومثاله : الاستطاعة التي هي شرط لوجوب الحجّ ؛ فإنّه لا وجوب للحجّ قبل الاستطاعة حتى يجب تحصيلها ، وأمّا بعد وجودها فلا معنى لوجوب تحصيلها ؛ لأنّه تحصيل للحاصل ، وذلك لأنّها أخذت مفروضة الوجود في الخارج في مقام الجعل ، فلا يعقل إيجابها من هذه الناحية.

(١) هذا مفاد الأحاديث. فراجع الكافي ٣ : ٤٥١.

(٢) ومنهم : صاحب هداية المسترشدين : ٢١٦ ، وكفاية الأصول : ١١٥ ، وفوائد الأصول ١ : ٢٦٨ ، نهاية الأفكار ١ : ٢٦٩ ، والمحاضرات ٢ : ٣٠٢.

(٣) وهذا ما نسبه الشيخ محمد تقي الأصفهانيّ إلى بعض الأفاضل ، راجع هداية المسترشدين : ٢١٦.