درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۹۶: مقدمه واجب ۱۲

 

الحجّ عندها. وذلك نظير الفوت في قوله عليه‌السلام : «اقض ما فات كما فات» (١) ؛ فإنّه لا يجب تحصيله لأجل امتثال الأمر بالقضاء ، بل إن اتّفق الفوت وجب القضاء.

٥. المقدّمة الداخليّة

تنقسم المقدّمة الوجوديّة إلى قسمين : داخليّة وخارجيّة.

١. «المقدّمة الداخليّة» هي جزء الواجب المركّب ، كالصلاة. وإنّما اعتبروا الجزء مقدّمة ، فباعتبار أنّ المركّب متوقّف في وجوده على أجزائه ، فكلّ جزء في نفسه هو مقدّمة لوجود المركّب ، كتقدّم الواحد على الاثنين. وإنّما سمّيت : «داخليّة» فلأجل أنّ الجزء داخل في قوام المركّب ، وليس للمركّب وجود مستقلّ غير نفس وجود الأجزاء.

٢. «المقدّمة الخارجيّة» وهي كلّ ما يتوقّف عليه الواجب وله وجود مستقلّ خارج عن وجود الواجب.

والغرض من ذكر هذا التقسيم هو بيان أنّ النزاع في مقدّمة الواجب هل يشمل المقدّمة الداخليّة أو أنّ ذلك يختصّ بالخارجيّة؟

ولقد أنكر جماعة شمول النزاع للداخليّة (٢). وسندهم في هذا الإنكار أحد أمرين :

الأوّل : إنكار المقدّميّة للجزء رأسا ، باعتبار أنّ المركّب نفس الأجزاء بالأسر فكيف يفرض توقّف الشيء على نفسه؟! (٣)

__________________

ـ الواجب ، وإذا انتفى الشرط ينتفي المشروط ، فلا وجوب للواجب قبل وجود المقدّمة الوجوبيّة حتى يجب تحصيلها ، وأمّا بعد وجود المقدّمة الوجوبيّة فوجوبها تحصيل للحاصل. ومثاله : الاستطاعة التي هي شرط لوجوب الحجّ ؛ فإنّه لا وجوب للحجّ قبل الاستطاعة حتى يجب تحصيلها ، وأمّا بعد وجودها فلا معنى لوجوب تحصيلها ؛ لأنّه تحصيل للحاصل ، وذلك لأنّها أخذت مفروضة الوجود في الخارج في مقام الجعل ، فلا يعقل إيجابها من هذه الناحية.

(١) هذا مفاد الأحاديث. فراجع الكافي ٣ : ٤٥١.

(٢) ومنهم : صاحب هداية المسترشدين : ٢١٦ ، وكفاية الأصول : ١١٥ ، وفوائد الأصول ١ : ٢٦٨ ، نهاية الأفكار ١ : ٢٦٩ ، والمحاضرات ٢ : ٣٠٢.

(٣) وهذا ما نسبه الشيخ محمد تقي الأصفهانيّ إلى بعض الأفاضل ، راجع هداية المسترشدين : ٢١٦.

الثاني : بعد تسليم أنّ الجزء مقدّمة ، ولكن يستحيل اتّصافه بالوجوب الغيريّ ما دام أنّه واجب بالوجوب النفسيّ ؛ لأنّ المفروض أنّه جزء الواجب بالوجوب النفسيّ ، وليس المركّب إلاّ أجزاءه بالأسر ، فينبسط الوجوب على الأجزاء. وحينئذ لو وجب الجزء بالوجوب الغيريّ أيضا ، لاتّصف الجزء بالوجوبين. (١)

وقد اختلفوا في بيان وجه استحالة اجتماع الوجوبين (٢) ، ولا يهمّنا بيان الوجه فيه بعد الاتّفاق على الاستحالة.

ولمّا كان هذا البحث لا نتوقّع منه فائدة عمليّة حتّى مع فرض الفائدة العمليّة في مسألة وجوب المقدّمة ، مع أنّه بحث دقيق يطول الكلام حوله ، فنحن نطوي عنه صفحا محيلين الطالب إلى المطوّلات إن شاء (٣).

٦. الشرط الشرعيّ

إنّ المقدّمة الخارجيّة تنقسم إلى قسمين : عقليّة وشرعيّة.

١. «المقدّمة العقليّة» هي كلّ أمر يتوقّف عليه وجود الواجب توقّفا واقعيّا يدركه العقل بنفسه من دون استعانة بالشرع ، كتوقّف الحجّ على قطع المسافة.

٢. «المقدّمة الشرعيّة» هي كلّ أمر يتوقّف عليه الواجب توقّفا لا يدركه العقل بنفسه ،

__________________

(١) وهذا الأمر ممّا استند به سلطان العلماء على ما في هداية المسترشدين : ٢١٦. واستند به المحقّق الخراسانيّ والمحقّق العراقيّ أيضا ، فراجع كفاية الأصول : ١١٥ ، ونهاية الأفكار ١ : ٢٦٨.

(٢) فقد يقال بأنّ وجه الاستحالة اجتماع حكمين متماثلين في شيء واحد. وهذا ما أفاده المحقّق الخراسانيّ في الكفاية : ١١٥. وقد ينسب إلى المشهور كما في نهاية الدراية ١ : ٣٠٦.

وقد يقال بأنّ وجه الاستحالة اجتماع الضدّين. وهذا يظهر من نهاية الأفكار ١ : ٢٦٨.

وقد يقال في وجه الاستحالة : إنّ الإرادة علّة للحركة نحو المراد ، فإن كان الغرض الداعي إلى الإرادة واحدا فانبعاث الإرادتين منه في قوّة صدور المعلولين عن علّة واحدة ، وهو محال. وإن كان الغرض متعدّدا لزم صدور الحركة عن علّتين مستقلّتين ، وهو محال. وهذا أفاده المحقّق الأصفهاني في نهاية الدراية ١ : ٣٠٦.

(٣) راجع : هداية المسترشدين : ٢١٦ ؛ مطارح الأنظار : ٣٨ ـ ٤٠ ؛ كفاية الأصول : ١١٥ ـ ١١٦ ؛ فوائد الأصول ١ : ٢٦٣ ـ ٢٦٨ ؛ نهاية الأفكار ١ : ٢٦٢ ـ ٢٦٩.

بل يثبت ذلك من طريق الشرع ، كتوقّف الصلاة على الطهارة ، واستقبال القبلة ، ونحوهما. ويسمّى هذا الأمر أيضا «الشرط الشرعيّ» باعتبار أخذه شرطا وقيدا في المأمور به عند الشارع ، مثل قوله عليه‌السلام : «لا صلاة إلاّ بطهور» (١) المستفادة منه شرطيّة الطهارة للصلاة.

والغرض من ذكر هذا التقسيم بيان أنّ النزاع في مقدّمة الواجب هل يشمل الشرط الشرعيّ؟

ولقد ذهب بعض أعاظم مشايخنا ـ على ما يظهر من بعض تقريرات درسه (٢) ـ إلى أنّ الشرط الشرعيّ كالجزء لا يكون واجبا بالوجوب الغيريّ ، وسمّاه : «مقدّمة داخليّة بالمعنى الأعم» ، باعتبار أنّ التقيّد لمّا كان داخلا في المأمور به وجزءا له (٣) فهو واجب بالوجوب النفسيّ. ولمّا كان انتزاع التقيّد إنّما يكون من القيد ـ أي منشأ انتزاعه هو القيد ـ والأمر بالعنوان المنتزع أمر بمنشإ انتزاعه ؛ إذ لا وجود للعنوان المنتزع إلاّ بوجود منشأ انتزاعه ، فيكون الأمر النفسيّ المتعلّق بالتقيّد متعلّقا بالقيد ؛ وإذا كان القيد واجبا نفسيّا فكيف يكون مرّة أخرى واجبا بالوجوب الغيريّ؟!

ولكن هذا كلام لا يستقيم عند شيخنا المحقّق الأصفهانيّ رحمه‌الله ، وقد ناقشه في مجلس بحثه بمناقشات مفيدة. وهو على حقّ في مناقشاته :

أمّا أوّلا : فلأنّ هذا التقيّد المفروض دخوله في المأمور به لا يخلو : إمّا أن يكون دخيلا في أصل الغرض من المأمور به ، وإمّا أن يكون دخيلا في فعليّة الغرض منه ، ولا ثالث لهما.

فإن كان من قبيل الأوّل فيجب أن يكون مأمورا به بالأمر النفسيّ ، ولكن بمعنى أنّ متعلّق الأمر لا بدّ أن يكون الخاصّ بما هو خاصّ ، وهو المركّب من المقيّد والقيد ، فيكون

__________________

(١) وسائل الشيعة ١ : ٢٦١ : الباب ٤ من أبواب الوضوء ، الحديث ١.

(٢) وهو المحقّق النائيني في فوائد الأصول ١ : ٢٦٣ و ٢٦٧ وأجود التقريرات ١ : ٣١٣.

(٣) إنّ الفرق بين الجزء والشرط هو أنّه في الجزء يكون التقيّد والقيد معا داخلين في المأمور به ، وأمّا في الشرط فالتقيّد فقط يكون داخلا والقيد يكون خارجا ، يعني أنّ التقيّد يكون جزءا تحليليّا للمأمور به ، إذ يكون المأمور به ـ في المثال ـ هو الصلاة بما هي مقيّدة بالطهارة ، أي إنّ المأمور به هو المركّب من ذات الصلاة والتقيّد بوصف الطهارة. فذات الصلاة جزء (غير) تحليليّ والتقيّد جزء آخر تحليليّ. ـ منه رحمه‌الله ـ.