درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۲۰۰: مقدمه واجب ۱۶

 

لا يوجب أن يكون نفس القيد والشرط ـ الذي هو حسب الفرض منشأ لانتزاع التقيّد ـ مقدّمة داخليّة ، بل هو مقدّمة خارجيّة ، فإنّ وجود الطهارة ـ مثلا ـ يوجب حصول تقيّد الصلاة بها ، فتكون مقدّمة خارجيّة للتقيّد الذي هو جزء حسب الفرض. وهذا يشبه المقدّمات الخارجيّة لنفس أجزاء المأمور بها الخارجيّة ، فكما أنّ مقدّمة الجزء ليست بجزء فكذلك مقدّمة التقيّد ليست جزءا.

والحاصل أنّه لمّا فرضتم في الشرط أنّ التقيّد داخل وهو جزء تحليليّ فقد فرضتم معه أنّ القيد خارج ، فكيف تفرضون مرّة أخرى أنّه داخل في المأمور به المتعلّق بالمقيّد؟!

٧. الشرط المتأخّر

لا شكّ في أنّ من الشروط الشرعيّة ما هو متقدّم في وجوده زمانا على المشروط ، كالوضوء والغسل بالنسبة إلى الصلاة ونحوها ، بناء على أنّ الشرط نفس الأفعال لا أثرها الباقي إلى حين الصلاة.

ومنها : ما هو مقارن للمشروط في وجوده زمانا ، كالاستقبال وطهارة اللباس للصلاة.

وإنّما وقع الشكّ في الشرط المتأخّر ، أي إنّه هل يمكن أن يكون الشرط الشرعيّ متأخّرا في وجوده زمانا عن المشروط أو لا يمكن؟

ومن قال بعدم إمكانه (١) قاس الشرط الشرعيّ على الشرط العقليّ ، فإنّ المقدّمة العقليّة يستحيل فيها أن تكون متأخّرة عن ذي المقدّمة ؛ لأنّه لا يوجد الشيء إلاّ بعد فرض وجود علّته التامّة المشتملة على كلّ ما له دخل في وجوده ؛ لاستحالة وجود المعلول بدون علّته التامّة. وإذا وجد الشيء فقد انتهى ، فأيّة حاجة له تبقى إلى ما سيوجد بعد.

ومنشأ هذا الشكّ والبحث ورود بعض الشروط الشرعيّة التي ظاهرها تأخّرها في الوجود عن المشروط ، وذلك مثل الغسل الليليّ للمستحاضة الكبرى الذي هو شرط ـ عند بعضهم (٢) ـ لصوم النهار السابق على الليل. ومن هذا الباب إجازة بيع الفضوليّ بناء

__________________

(١) نسبه المحقّق العراقيّ إلى الجمهور. راجع بدائع الأفكار ١ : ٣٢٠.

(٢) كالمحقّق في الشرائع ١ : ١٩٧ ، وابن إدريس في السرائر ١ : ٤٠٧.

على أنّها كاشفة عن صحّة البيع لا ناقلة. (١)

ولأجل ما ذكرنا من استحالة الشرط المتأخّر في العقليّات اختلف العلماء في الشرط الشرعيّ اختلافا كثيرا جدّا ، فبعضهم ذهب إلى إمكان الشرط المتأخّر في الشرعيّات (٢) ، وبعضهم ذهب إلى استحالته قياسا على الشرط العقليّ كما ذكرنا آنفا (٣) ، والذاهبون إلى الاستحالة أوّلوا ما ورد في الشريعة بتأويلات كثيرة يطول شرحها. (٤)

وأحسن ما قيل في توجيه إمكان الشرط المتأخّر في الشرعيّات ما عن بعض مشايخنا الأعاظم قدس‌سرهم في بعض تقريرات درسه (٥). وخلاصته : «أنّ الكلام تارة يكون في شرط المأمور به ، وأخرى في شرط الحكم ، سواء كان تكليفيّا أم وضعيّا.

أمّا : في شرط المأمور به ، فإنّ مجرّد كونه شرطا شرعيّا للمأمور به لا مانع منه ؛

__________________

(١) قال الشيخ الأنصاريّ : «إنّ كاشفيّة الإجازة على وجوه ثلاثة ، قال بكلّ منها قائل : أحدها : وهو المشهور الكشف الحقيقيّ والتزام كون الإجازة شرطا متأخّرا ، ولذا اعترضهم جمال المحقّقين في حاشيته على الروضة بأنّ الشرط لا يتأخّر». المكاسب : ١٣٣.

(٢) ذهب إليه المحقّق العراقيّ في بدائع الأفكار ١ : ٣٢٠ ـ ٣٢١. واختاره المحقّق الخوئيّ في المحاضرات ٢ : ٣١٣.

(٣) وهو المنسوب إلى الجمهور كما مرّ.

(٤) ولا بأس بالإشارة إليها إجمالا ، فنقول :

منها : إنكار أصل الشرطيّة. ذهب إليه الشيخ الأنصاريّ في باب إجازة بيع الفضولي من المكاسب : ١٣٣ ، وصاحب الجواهر في باب صوم المستحاضة من جواهر الكلام ٣ : ٣٦٦.

ومنها : اعتبار المتأخّر شرطا ، لا الشرط متأخّرا. ذهب إليه المحقّق النائينيّ على ما في أجود التقريرات ١ : ٣٢٣ ـ ٣٢٥.

ومنها : التصرّف في معنى «الشرط» بأنّ الشرط ليس جزءا دخيلا في الأثر ، بل الشرط هو طرف ما يحدّد المقتضي وطرف ما يحصل به الخصوصيّة اللازمة لتأثير المقتضي ، ذهب إليه المحقّق العراقيّ في بدائع الأفكار ١ : ٣٢٠ ـ ٣٢١.

ومنها : التصرّف فيما هو الشرط ، إمّا بأنّ الشرط هو عنوان التعقّب بالأغسال أو الإجازة كما في الفصول : ٨٠ ، وإمّا بأنّ الشرط هو الإضافة إلى المتأخّر كما في كفاية الأصول : ١١٩ ـ ١٢٠.

(٥) وهو المحقّق النائينيّ في أجود التقريرات ١ : ٣٢٣ ـ ٣٢٥. وتعرّض له المحقّق الخوئيّ في المحاضرات ٢ : ٣٠٦ ـ ٣٠٧.