درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۲۰۱: مقدمه واجب ۱۷

 

على أنّها كاشفة عن صحّة البيع لا ناقلة. (١)

ولأجل ما ذكرنا من استحالة الشرط المتأخّر في العقليّات اختلف العلماء في الشرط الشرعيّ اختلافا كثيرا جدّا ، فبعضهم ذهب إلى إمكان الشرط المتأخّر في الشرعيّات (٢) ، وبعضهم ذهب إلى استحالته قياسا على الشرط العقليّ كما ذكرنا آنفا (٣) ، والذاهبون إلى الاستحالة أوّلوا ما ورد في الشريعة بتأويلات كثيرة يطول شرحها. (٤)

وأحسن ما قيل في توجيه إمكان الشرط المتأخّر في الشرعيّات ما عن بعض مشايخنا الأعاظم قدس‌سرهم في بعض تقريرات درسه (٥). وخلاصته : «أنّ الكلام تارة يكون في شرط المأمور به ، وأخرى في شرط الحكم ، سواء كان تكليفيّا أم وضعيّا.

أمّا : في شرط المأمور به ، فإنّ مجرّد كونه شرطا شرعيّا للمأمور به لا مانع منه ؛

__________________

(١) قال الشيخ الأنصاريّ : «إنّ كاشفيّة الإجازة على وجوه ثلاثة ، قال بكلّ منها قائل : أحدها : وهو المشهور الكشف الحقيقيّ والتزام كون الإجازة شرطا متأخّرا ، ولذا اعترضهم جمال المحقّقين في حاشيته على الروضة بأنّ الشرط لا يتأخّر». المكاسب : ١٣٣.

(٢) ذهب إليه المحقّق العراقيّ في بدائع الأفكار ١ : ٣٢٠ ـ ٣٢١. واختاره المحقّق الخوئيّ في المحاضرات ٢ : ٣١٣.

(٣) وهو المنسوب إلى الجمهور كما مرّ.

(٤) ولا بأس بالإشارة إليها إجمالا ، فنقول :

منها : إنكار أصل الشرطيّة. ذهب إليه الشيخ الأنصاريّ في باب إجازة بيع الفضولي من المكاسب : ١٣٣ ، وصاحب الجواهر في باب صوم المستحاضة من جواهر الكلام ٣ : ٣٦٦.

ومنها : اعتبار المتأخّر شرطا ، لا الشرط متأخّرا. ذهب إليه المحقّق النائينيّ على ما في أجود التقريرات ١ : ٣٢٣ ـ ٣٢٥.

ومنها : التصرّف في معنى «الشرط» بأنّ الشرط ليس جزءا دخيلا في الأثر ، بل الشرط هو طرف ما يحدّد المقتضي وطرف ما يحصل به الخصوصيّة اللازمة لتأثير المقتضي ، ذهب إليه المحقّق العراقيّ في بدائع الأفكار ١ : ٣٢٠ ـ ٣٢١.

ومنها : التصرّف فيما هو الشرط ، إمّا بأنّ الشرط هو عنوان التعقّب بالأغسال أو الإجازة كما في الفصول : ٨٠ ، وإمّا بأنّ الشرط هو الإضافة إلى المتأخّر كما في كفاية الأصول : ١١٩ ـ ١٢٠.

(٥) وهو المحقّق النائينيّ في أجود التقريرات ١ : ٣٢٣ ـ ٣٢٥. وتعرّض له المحقّق الخوئيّ في المحاضرات ٢ : ٣٠٦ ـ ٣٠٧.

لأنّه ليس معناه إلاّ أخذه قيدا في المأمور به على أن تكون الحصّة الخاصّة من المأمور به هي المطلوبة. وكما يجوز ذلك في الأمر السابق والمقارن فإنّه يجوز في اللاحق بلا فرق. نعم ، إذا رجع الشرط الشرعيّ إلى شرط واقعيّ ، كرجوع شرط الغسل الليليّ للمستحاضة إلى أنّه رافع للحدث في النهار ، فإنّه يكون حينئذ واضح الاستحالة ، كالشرط الواقعيّ بلا فرق.

وسرّ ذلك أنّ المطلوب لمّا كان هو الحصّة الخاصّة من طبيعيّ المأمور به ، فوجود القيد المتأخّر لا شأن له إلاّ الكشف عن وجود تلك الحصّة في ظرف كونها مطلوبة. ولا محذور في ذلك ، إنّما المحذور في تأثير المتأخّر في المتقدّم.

وأمّا : في شرط الحكم ، سواء كان الحكم تكليفيّا أم وضعيّا ، فإنّ الشرط فيه معناه أخذه مفروض الوجود والحصول في مقام جعل الحكم وإنشائه ، وكونه مفروض الوجود لا يفرق فيه بين أن يكون متقدّما ، أو مقارنا ، أو متأخّرا ، كأن يجعل الحكم في الشرط المتأخّر على الموضوع المقيّد بقيد أخذ مفروض الوجود بعد وجود الموضوع.

ويتقرّب ذلك إلى الذهن بقياسه على الواجب المركّب التدريجيّ الحصول ، فإنّ التكليف في فعليّته في الجزء الأوّل وما بعده يبقى مراعى إلى أن يحصل الجزء الأخير من المركّب ، وقد بقيت ـ إلى حين حصول كمال الأجزاء ـ شرائط التكليف من الحياة والقدرة ونحوهما.

وهكذا يفرض الحال فيما نحن فيه ، فإنّ الحكم في الشرط المتأخّر يبقى في فعليّته مراعى إلى أن يحصل الشرط الذي أخذ مفروض الحصول ، فكما أنّ الجزء الأوّل من المركّب التدريجيّ الواجب في فرض حصول جميع الأجزاء يكون واجبا وفعليّ الوجوب من أوّل الأمر ، لا أنّ فعليّته تكون بعد حصول جميع الأجزاء ، وكذا باقي الأجزاء لا تكون فعليّة وجوبها بعد حصول الجزء الأخير ، بل حين حصولها ولكن في فرض حصول الجميع ، فكذلك [في] ما نحن فيه يكون الواجب المشروط بالشرط المتأخّر فعليّ الوجوب من أوّل الأمر في فرض حصول الشرط في ظرفه ، لا أنّ فعليّته تكون متأخّرة إلى حين الشرط.»