درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۲۰۴: مقدمات واجب ۲۰

 

٨. المقدّمات المفوّتة

ورد في الشريعة المطهّرة وجوب بعض المقدّمات قبل زمان ذيها في الموقّتات ، كوجوب قطع المسافة للحجّ قبل حلول أيّامه ، ووجوب الغسل من الجنابة للصوم قبل الفجر ، ووجوب الوضوء أو الغسل ـ على قول (١) ـ قبل وقت الصلاة عند العلم بعدم التمكّن منه بعد دخول وقتها ... وهكذا.

وتسمّى هذه المقدّمات باصطلاحهم : «المقدّمات المفوّتة» باعتبار أنّ تركها موجب لتفويت الواجب في وقته كما تقدّم.

ونحن نقول : لو لم يحكم الشارع المقدّس بوجوب مثل هذه المقدّمات فإنّ العقل يحكم بلزوم الإتيان بها ؛ لأنّ تركها موجب لتفويت الواجب في ظرفه ، ويحكم أيضا بأنّ التارك لها يستحقّ العقاب على تفويت الواجب في ظرفه بسبب تركها.

ولأوّل وهلة يبدو أنّ هذين الحكمين العقليّين الواضحين لا ينطبقان على القواعد العقليّة البديهيّة في الباب من جهتين :

أمّا أوّلا : فلأنّ وجوب المقدّمة تابع لوجوب ذيها على أيّ نحو فرض من أنحاء التبعيّة ، لا سيّما إذا كان من نحو تبعيّة المعلول لعلّته على ما هو المشهور. فكيف يفرض الوجوب التابع في زمان سابق على زمان فرض الوجوب المتبوع؟!

وأمّا ثانيا : فلأنّه كيف يستحقّ العقاب على ترك الواجب بترك مقدّمته قبل حضور وقته ، مع أنّه حسب الفرض لا وجوب له فعلا؟! وأمّا في ظرفه فينبغي أن يسقط وجوبه ؛ لعدم القدرة عليه بترك مقدّمته ، والقدرة شرط عقليّ في الوجوب.

ولأجل التوفيق بين هاتيك البديهيّات العقليّة التي تبدو كأنّها متعارضة ـ وإن كان يستحيل التعارض في الأحكام العقليّة وبديهيّات العقل ـ حاول جماعة من أعلام الأصوليّين المتأخّرين تصحيح ذلك بفرض انفكاك زمان الوجوب عن زمان الواجب و

__________________

(١) قال به السيّد في العروة الوثقى ، واختاره السيّد الحكيم في مستمسك العروة الوثقى ٤ : ٤٣٦ ـ ٤٤٠ ، و ٤٩٠ «مسألة ٣٢».

تقدّمه عليه ، إمّا في خصوص الموقّتات (١) أو في مطلق الواجبات (٢) ، على اختلاف المسالك. وبذلك يحصل لهم التوفيق بين تلك الأحكام العقليّة ؛ لأنّه حينما يفرض تقدّم وجوب ذي المقدّمة على زمانه فلا مانع من فرض وجوب المقدّمة قبل وقت الواجب ، وكان استحقاق العقاب على ترك الواجب على القاعدة ؛ لأنّ وجوبه كان فعليّا حين ترك المقدّمة.

أمّا كيف يفرض تقدّم زمان الوجوب على زمان الواجب؟ وبأيّ مناط؟ فهذا ما اختلف فيه الأنظار والمحاولات.

فأوّل المحاولين لحلّ هذه الشبهة ـ فيما يبدو ـ صاحب الفصول الذي قال بجواز تقدّم زمان الوجوب على طريقة الواجب المعلّق الذي اخترعه ، كما أشرنا إليه في الجزء الأوّل (٣). وذلك في خصوص الموقّتات ، بفرض أنّ الوقت في الموقّتات وقت للواجب فقط ، لا للوجوب ، أي إنّ الوقت ليس شرطا وقيدا للوجوب ، بل هو قيد للواجب ، فالوجوب ـ على هذا الفرض ـ متقدّم على الوقت ولكنّ الواجب معلّق على حضور وقته. والفرق بين هذا النوع وبين الواجب المشروط هو أنّ التوقّف في المشروط للوجوب وفي المعلّق للفعل. وعليه ، لا مانع من فرض وجوب المقدّمة قبل زمان ذيها (٤).

ولكن نقول : على تقدير إمكان فرض تقدّم زمان الوجوب على زمان الواجب ، فإنّ فرض رجوع القيد إلى الواجب لا إلى الوجوب يحتاج إلى دليل ، ونفس ثبوت وجوب المقدّمة المفوّتة قبل زمان وجوب ذيها لا يكون وحده دليلا على ثبوت الواجب المعلّق ؛ لأنّ الطريق في تصحيح وجوب المقدّمة المفوّتة لا ينحصر فيه ، كما سيأتي بيان الطريق الصحيح.

والمحاولة الثانية : ما نسب إلى الشيخ الأنصاريّ قدس‌سره من رجوع القيد في جميع شرائط الوجوب إلى المادّة (٥) ، وإن اشتهر القول برجوعها إلى الهيئة ؛ سواء كان الشرط هو الوقت أو غيره ، كالاستطاعة للحجّ والقدرة والبلوغ والعقل ونحوها من الشرائط العامّة لجميع

__________________

(١) كما في الفصول الغرويّة : ٧٩.

(٢) كما في مطارح الأنظار : ٤٩.

(٣) تقدّم في الصفحة : ١٠٣.

(٤) الفصول الغرويّة : ٧٩.

(٥) مطارح الأنظار : ٤٩.