درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۲۰۵: مقدمه واجب ۲۱

 

تقدّمه عليه ، إمّا في خصوص الموقّتات (١) أو في مطلق الواجبات (٢) ، على اختلاف المسالك. وبذلك يحصل لهم التوفيق بين تلك الأحكام العقليّة ؛ لأنّه حينما يفرض تقدّم وجوب ذي المقدّمة على زمانه فلا مانع من فرض وجوب المقدّمة قبل وقت الواجب ، وكان استحقاق العقاب على ترك الواجب على القاعدة ؛ لأنّ وجوبه كان فعليّا حين ترك المقدّمة.

أمّا كيف يفرض تقدّم زمان الوجوب على زمان الواجب؟ وبأيّ مناط؟ فهذا ما اختلف فيه الأنظار والمحاولات.

فأوّل المحاولين لحلّ هذه الشبهة ـ فيما يبدو ـ صاحب الفصول الذي قال بجواز تقدّم زمان الوجوب على طريقة الواجب المعلّق الذي اخترعه ، كما أشرنا إليه في الجزء الأوّل (٣). وذلك في خصوص الموقّتات ، بفرض أنّ الوقت في الموقّتات وقت للواجب فقط ، لا للوجوب ، أي إنّ الوقت ليس شرطا وقيدا للوجوب ، بل هو قيد للواجب ، فالوجوب ـ على هذا الفرض ـ متقدّم على الوقت ولكنّ الواجب معلّق على حضور وقته. والفرق بين هذا النوع وبين الواجب المشروط هو أنّ التوقّف في المشروط للوجوب وفي المعلّق للفعل. وعليه ، لا مانع من فرض وجوب المقدّمة قبل زمان ذيها (٤).

ولكن نقول : على تقدير إمكان فرض تقدّم زمان الوجوب على زمان الواجب ، فإنّ فرض رجوع القيد إلى الواجب لا إلى الوجوب يحتاج إلى دليل ، ونفس ثبوت وجوب المقدّمة المفوّتة قبل زمان وجوب ذيها لا يكون وحده دليلا على ثبوت الواجب المعلّق ؛ لأنّ الطريق في تصحيح وجوب المقدّمة المفوّتة لا ينحصر فيه ، كما سيأتي بيان الطريق الصحيح.

والمحاولة الثانية : ما نسب إلى الشيخ الأنصاريّ قدس‌سره من رجوع القيد في جميع شرائط الوجوب إلى المادّة (٥) ، وإن اشتهر القول برجوعها إلى الهيئة ؛ سواء كان الشرط هو الوقت أو غيره ، كالاستطاعة للحجّ والقدرة والبلوغ والعقل ونحوها من الشرائط العامّة لجميع

__________________

(١) كما في الفصول الغرويّة : ٧٩.

(٢) كما في مطارح الأنظار : ٤٩.

(٣) تقدّم في الصفحة : ١٠٣.

(٤) الفصول الغرويّة : ٧٩.

(٥) مطارح الأنظار : ٤٩.

التكاليف. ومعنى ذلك أنّ الوجوب الذي هو مدلول الهيئة في جميع الواجبات مطلق دائما غير مقيّد بشرط أبدا ، وكلّ ما يتوهّم من رجوع القيد إلى الوجوب فهو راجع في الحقيقة إلى الواجب الذي هو مدلول المادّة ؛ غاية الأمر أنّ بعض القيود مأخوذ في الواجب على وجه يكون مفروض الحصول والوقوع ، كالاستطاعة بالنسبة إلى الحجّ ، ومثل هذا لا يجب تحصيله ويكون حكمه حكم ما لو كان شرطا للوجوب ؛ وبعضها لا يكون مأخوذا على وجه يكون مفروض الحصول ، بل يجب تحصيله توصّلا إلى الواجب ؛ لأنّ الواجب يكون هو المقيّد بما هو مقيّد بذلك القيد.

وعلى هذا التصوير ، فالوجوب يكون دائما فعليّا قبل مجيء وقته ، وشأنه في ذلك شأن الوجوب على القول بالواجب المعلّق ، لا فرق بينهما في الموقّتات بالنسبة إلى الوقت ، فإذا كان الواجب استقباليّا فلا مانع من وجوب المقدّمة المفوّتة قبل زمان ذيها.

والمحاولة الثالثة : ما نسب إلى بعضهم من أنّ الوقت شرط للوجوب ، لا للواجب كما في المحاولتين الأوليين ، ولكنّه مأخوذ فيه على نحو الشرط المتأخّر (١). وعليه ، فالوجوب يكون سابقا على زمان الواجب نظير القول بالمعلّق ، فيصحّ فرض وجوب المقدّمة المفوّتة قبل زمان ذيها ؛ لفعليّة الوجوب قبل زمانه ، فتجب مقدّمته.

وكلّ هذه المحاولات مذكورة في كتب الأصول المطوّلة (٢) ، وفيها مناقشات وأبحاث طويلة لا يسعها هذا المختصر ، ومع الغضّ عن المناقشة في إمكانها في أنفسها لا دليل عليها إلاّ ثبوت وجوب المقدّمة قبل زمان [وجوب] ذيها ، إذ كلّ صاحب محاولة منها يعتقد أنّ التخلّص من إشكال وجوب المقدّمة قبل زمان [وجوب] ذيها ينحصر في المحاولة التي يتصوّرها ، فالدليل الذي يدلّ على وجوب المقدّمة المفوّتة قبل وقت الواجب لا محالة يدلّ عنده على محاولته.

والذي أعتقده أنّه لا موجب لكلّ هذه المحاولات لتصحيح وجوب المقدّمة قبل زمان

__________________

(١) كفاية الأصول : ١٣٠ ـ ١٣١.

(٢) وقد ذكر في المقام محاولات أخر. فإن شئت راجع مجمع الفائدة والبرهان ٢ : ١١٠ ؛ مدارك الأحكام ٢ : ٣٤٥ ؛ نهاية الأفكار ١ : ٢٩٥ ـ ٢٩٩.