درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۲۰۶: مقدمه واجب ۲۲

 

التكاليف. ومعنى ذلك أنّ الوجوب الذي هو مدلول الهيئة في جميع الواجبات مطلق دائما غير مقيّد بشرط أبدا ، وكلّ ما يتوهّم من رجوع القيد إلى الوجوب فهو راجع في الحقيقة إلى الواجب الذي هو مدلول المادّة ؛ غاية الأمر أنّ بعض القيود مأخوذ في الواجب على وجه يكون مفروض الحصول والوقوع ، كالاستطاعة بالنسبة إلى الحجّ ، ومثل هذا لا يجب تحصيله ويكون حكمه حكم ما لو كان شرطا للوجوب ؛ وبعضها لا يكون مأخوذا على وجه يكون مفروض الحصول ، بل يجب تحصيله توصّلا إلى الواجب ؛ لأنّ الواجب يكون هو المقيّد بما هو مقيّد بذلك القيد.

وعلى هذا التصوير ، فالوجوب يكون دائما فعليّا قبل مجيء وقته ، وشأنه في ذلك شأن الوجوب على القول بالواجب المعلّق ، لا فرق بينهما في الموقّتات بالنسبة إلى الوقت ، فإذا كان الواجب استقباليّا فلا مانع من وجوب المقدّمة المفوّتة قبل زمان ذيها.

والمحاولة الثالثة : ما نسب إلى بعضهم من أنّ الوقت شرط للوجوب ، لا للواجب كما في المحاولتين الأوليين ، ولكنّه مأخوذ فيه على نحو الشرط المتأخّر (١). وعليه ، فالوجوب يكون سابقا على زمان الواجب نظير القول بالمعلّق ، فيصحّ فرض وجوب المقدّمة المفوّتة قبل زمان ذيها ؛ لفعليّة الوجوب قبل زمانه ، فتجب مقدّمته.

وكلّ هذه المحاولات مذكورة في كتب الأصول المطوّلة (٢) ، وفيها مناقشات وأبحاث طويلة لا يسعها هذا المختصر ، ومع الغضّ عن المناقشة في إمكانها في أنفسها لا دليل عليها إلاّ ثبوت وجوب المقدّمة قبل زمان [وجوب] ذيها ، إذ كلّ صاحب محاولة منها يعتقد أنّ التخلّص من إشكال وجوب المقدّمة قبل زمان [وجوب] ذيها ينحصر في المحاولة التي يتصوّرها ، فالدليل الذي يدلّ على وجوب المقدّمة المفوّتة قبل وقت الواجب لا محالة يدلّ عنده على محاولته.

والذي أعتقده أنّه لا موجب لكلّ هذه المحاولات لتصحيح وجوب المقدّمة قبل زمان

__________________

(١) كفاية الأصول : ١٣٠ ـ ١٣١.

(٢) وقد ذكر في المقام محاولات أخر. فإن شئت راجع مجمع الفائدة والبرهان ٢ : ١١٠ ؛ مدارك الأحكام ٢ : ٣٤٥ ؛ نهاية الأفكار ١ : ٢٩٥ ـ ٢٩٩.

ذيها ، فإنّ الصحيح ـ كما أفاده شيخنا الأصفهانيّ رحمه‌الله ـ أنّ وجوب المقدّمة ليس معلولا لوجوب ذيها ، ولا مترشّحا منه ، فليس هناك إشكال في وجوب المقدّمة المفوّتة قبل زمان ذيها حتّى نلتجئ إلى إحدى هذه المحاولات لفكّ الإشكال ، وكلّ هذه الشبهة إنما جاءت من هذا الفرض ، وهو فرض معلوليّة وجوب المقدّمة لوجوب ذيها ، وهو فرض لا واقع له أبدا ، وإن كان هذا القول يبدو غريبا على الأذهان المشبعة بفرض أنّ وجوب ذي المقدّمة علّة لوجوب المقدّمة ، بل نقول أكثر من ذلك : إنّه يجب في المقدّمة المفوّتة أن يتقدّم وجوبها على وجوب ذيها ، إذا كنّا نقول بأنّ مقدّمة الواجب واجبة ، وإن كان الحقّ ـ وسيأتي ـ عدم وجوبها مطلقا.

ولبيان عدم معلوليّة وجوب المقدّمة لوجوب ذيها نذكر أنّ الأمر ـ في الحقيقة ـ هو فعل الآمر ، سواء كان الأمر نفسيّا أم غيريّا ، فالآمر هو العلّة الفاعليّة له دون سواه ، ولكن كلّ أمر إنّما يصدر عن إرادة الآمر ؛ لأنّه فعله الاختياريّ ، والإرادة بالطبع مسبوقة بالشوق إلى فعل المأمور به ـ أي إنّ الآمر لا بدّ أن يشتاق أوّلا إلى فعل الغير على أن يصدر من الغير ـ ، فإذا اشتاقه لا بدّ أن يدعو الغير ويدفعه ويحثّه على الفعل ، فيشتاق إلى الأمر به ، وإذا لم يحصل مانع من الأمر فلا محالة يشتدّ الشوق إلى الأمر حتّى يبلغ الإرادة الحتميّة ، فيجعل الداعي في نفس الغير للفعل المطلوب ، وذلك بتوجيه الأمر نحوه.

هذا حال كلّ مأمور به ، ومن جملته «مقدّمة الواجب» ؛ فإنّه إذا ذهبنا إلى وجوبها من قبل المولى لا بدّ أن نفرض حصول الشوق أوّلا في نفس الآمر إلى صدورها من المكلّف ، غاية الأمر أنّ هذا الشوق تابع للشوق إلى فعل ذي المقدّمة ومنبثق منه ؛ لأنّ المختار إذا اشتاق إلى تحصيل شيء وأحبّه اشتاق وأحبّ بالتبع كلّ ما يتوقّف عليه ذلك الشيء على نحو الملازمة بين الشوقين. وإذا لم يكن هناك مانع من الأمر بالمقدّمات حصلت لدى الآمر ـ ثانيا ـ الإرادة الحتميّة التي تتعلّق بالأمر بها ، فيصدر حينئذ الأمر.

إذا عرفت ذلك ، فإنّك تعرف أنّه إذا فرض أنّ المقدّمة متقدّمة بالوجود الزمانيّ على ذيها على وجه لا يحصل ذوها في ظرفه وزمانه إلاّ إذا حصلت هي قبل حلول زمانه ، كما في أمثلة المقدّمات المفوّتة ، فإنّه لا شكّ في أنّ الآمر يشتاقها أن تحصل في ذلك الزمان

المتقدّم ، وهذا الشوق بالنسبة إلى المقدّمة يتحوّل إلى الإرادة الحتميّة بالأمر ، إذ لا مانع من البعث نحوها حينئذ ، والمفروض أنّ وقتها قد حان فعلا ، فلا بدّ أن يأمر بها فعلا. أمّا ذو المقدّمة فحسب الفرض لا يمكن البعث نحوه ، والأمر به قبل وقته ؛ لعدم حصول ظرفه ، فلا أمر قبل الوقت ، وإن كان الشوق إلى الأمر به حاصل حينئذ ، ولكن لا يبلغ مبلغ الفعليّة ؛ لوجود المانع.

والحاصل أنّ الشوق إلى ذي المقدّمة والشوق إلى المقدّمة حاصلان قبل وقت ذي المقدّمة ، والشوق الثاني منبعث ومنبثق من الشوق الأوّل ، ولكنّ الشوق إلى المقدّمة يؤثّر أثره ، ويصير إرادة حتميّة ؛ لعدم وجود ما يمنع من الأمر ، دون الشوق إلى ذي المقدّمة ؛ لوجود المانع من الأمر.

وعلى هذا ، فتجب المقدّمة المفوّتة قبل وجوب ذيها ولا محذور فيه ، بل هو أمر لا بدّ منه ، ولا يصحّ أن يقع غير ذلك.

ولا تستغرب ذلك ، فإنّ هذا أمر مطّرد حتّى بالنسبة إلى أفعال الإنسان نفسه ، فإنّه إذا اشتاق إلى فعل شيء اشتاق إلى مقدّماته تبعا ، ولمّا كانت المقدّمات متقدّمة بالوجود زمانا على ذيها فإنّ الشوق إلى المقدّمات يشتدّ حتى يبلغ درجة الإرادة الحتميّة المحرّكة للعضلات فيفعلها ، مع أنّ ذا المقدّمة لم يحن وقته بعد ، ولم تحصل له الإرادة الحتميّة المحرّكة للعضلات ، وإنّما يمكن أن تحصل له الإرادة الحتميّة إذا حان وقته بعد طيّ المقدّمات.

فإرادة الفاعل التكوينيّة للمقدّمة متقدّمة زمانا على إرادة ذيها ، وعلى قياسها الإرادة التشريعيّة ، فلا بدّ أن تحصل للمقدّمة المتقدّمة زمانا قبل أن تحصل لذيها المتأخّر زمانا ، فيتقدّم الوجوب الفعليّ للمقدّمة على الوجوب الفعليّ لذيها زمانا ، على العكس ممّا اشتهر ولا محذور فيه بل هو المتعيّن.

وهذا حال كلّ متقدّم بالنسبة إلى المتأخّر ، فإنّ الشوق يصير شيئا فشيئا قصدا وإرادة ، كما في الأفعال التدريجيّة الوجود (١).

__________________

(١) انتهى ما أفاده المحقّق الأصفهانيّ في نهاية الدراية ١ : ٣٤٤ ـ ٣٤٨.