درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۲۰۸: مقدمه واجب ۲۴

 

وقد تقدّم معنى تبعيّة وجوب المقدّمة لوجوب ذيها ، فلا نعيد ، وقلنا : إنّه ليس معناه معلوليّته لوجوب ذي المقدّمة ، وتبعيّته له وجودا ، كما اشتهر على لسان الأصوليّين (١).

فان قلت : إنّ وجوب المقدّمة ـ كما سبق (٢) ـ تابع لوجوب ذي المقدّمة إطلاقا واشتراطا ، ولا شكّ في أنّ الوقت ـ على الرأي المعروف ـ شرط لوجوب ذي المقدّمة ، فيجب أن يكون أيضا وجوب المقدّمة مشروطا به ؛ قضاء لحقّ التبعيّة.

قلت : إنّ الوقت على التحقيق ليس شرطا للوجوب بمعنى أنّه دخيل في مصلحة الأمر ، كالاستطاعة بالنسبة إلى وجوب الحجّ ، وإن كان دخيلا في مصلحة المأمور به ، ولكنّه لا يتحقّق البعث قبله ، فلا بدّ أن يؤخذ مفروض الوجود بمعنى عدم الدعوة إليه ؛ لأنّه غير اختياريّ للمكلّف. أمّا عدم تحقّق وجوب الموقّت قبل الوقت فلامتناع البعث قبل الوقت.

والسرّ واضح ؛ لأنّ البعث ـ حتى الجعليّ منه ـ يلازم الانبعاث إمكانا ووجودا ، فإذا أمكن الانبعاث أمكن البعث وإلاّ فلا ، وإذ يستحيل الانبعاث قبل الوقت استحال البعث نحوه حتّى الجعليّ. ومن أجل هذا نقول بامتناع الواجب المعلّق ، لأنّه يلازم انفكاك الانبعاث عن البعث.

وهذا بخلاف المقدّمة قبل وقت الواجب ، فإنّه يمكن الانبعاث نحوها ، فلا مانع من فعليّة البعث بالنظر إليها لو ثبت ، فعدم فعليّة الوجوب قبل زمان الواجب إنّما هو لوجود المانع لا لفقدان الشرط ، وهذا المانع موجود في ذي المقدّمة قبل وقته ، مفقود في المقدّمة.

ويتفرّع على هذا فرع فقهيّ ، وهو : أنّه حينئذ لا مانع في المقدّمة المفوّتة العباديّة ـ كالطهارات الثلاث ـ من قصد الوجوب في النيّة قبل وقت الواجب لو قلنا بأنّ مقدّمة الواجب واجبة.

والحاصل أنّ العقل يحكم بلزوم الإتيان بالمقدّمة المفوّتة قبل وقت ذيها ، ولا مانع عقليّ من ذلك.

هذا كلّه من جهة إشكال انفكاك وجوب المقدّمة عن وجوب ذيها. وأمّا من جهة

__________________

(١) تقدّم في الأمر الثاني من هذا الجزء : ٢٦٩ ـ ٢٧٠.

(٢) سبق في الصفحة : ٢٧٣ ـ ٢٧٤.

إشكال استحقاق العقاب على ترك الواجب بترك مقدّمته مع عدم فعليّة وجوبه فيعلم دفعه ممّا سبق ؛ فإنّ التكليف بذي المقدّمة الموقّت يكون تامّ الاقتضاء ، وإن لم يصر فعليّا لوجود المانع ، وهو عدم حضور وقته. ولا ينبغي الشكّ في أنّ دفع التكليف مع تماميّة اقتضائه تفويت لغرض المولى المعلوم الملزم ، وهذا يعدّ ظلما في حقّه ، وخروجا عن زيّ الرقّيّة ، وتمرّدا عليه ، فيستحقّ عليه العقاب واللوم من هذه الجهة ، وإن لم يكن فيه مخالفة للتكليف الفعليّ المنجّز.

وهذا لا يشبه دفع مقتضي التكليف ، كعدم تحصيل الاستطاعة للحجّ ، فإنّ مثله لا يعدّ ظلما ، وخروجا عن زيّ الرقّيّة ، وتمرّدا على المولى ؛ لأنّه ليس فيه تفويت لغرض المولى المعلوم التامّ الاقتضاء. والمدار في استحقاق العقاب هو تحقّق عنوان الظلم للمولى ، القبيح عقلا.

تمرينات (٣٧)

التمرين الأوّل

١. ما هي المقدّمات المفوّتة؟ ولم سمّيت بالمقدّمات المفوّتة؟

٢. كيف حاول صاحب الفصول تصحيح تقدّم زمان الوجوب على زمان الواجب في المقدّمات المفوّتة؟

وما وجه ضعف هذه المحاولة؟

٣. كيف حاول الشيخ الأنصاريّ لتصحيح تقدّم زمان الوجوب على زمان الواجب في المقدّمات المفوّتة؟

٤. ما هي المحاولة المنسوبة إلى المحقّق الخراساني لتصحيح الشبهة المذكورة؟

٥. بيّن ما ذهب إليه المحقّق الأصفهاني في تصحيح وجوب المقدّمة قبل زمان ذيها.

التمرين الثاني

١. اذكر ما ذهب إليه المحقّق الأردبيلي وما ذهب إليه العلاّمة الأراكي في تصحيح وجوب المقدّمة قبل زمان ذيها.

٩. المقدّمة العباديّة

ثبت بالدليل أنّ بعض المقدّمات الشرعيّة لا تقع (١) مقدّمة إلاّ إذا وقعت على وجه عباديّ ، وثبت أيضا ترتّب الثواب عليها بخصوصها. ومثالها منحصر في الطهارات الثلاث : الوضوء ، والغسل ، والتيمّم.

وقد سبق في الأمر الثاني (٢) الإشكال فيها من جهتين : من جهة أنّ الواجب الغيريّ لا يكون إلاّ توصّليّا ، فكيف يجوز أن تقع المقدّمة بما هي مقدّمة عبادة؟! ومن جهة ثانية : أنّ الواجب الغيريّ بما هو واجب غيريّ لا استحقاق للثواب عليه.

وفي الحقيقة إنّ هذا الإشكال ليس إلاّ إشكالا على أصولنا التي أصّلناها للواجب الغيريّ ، فنقع في حيرة في التوفيق بين ما فهمناه عن الواجب الغيريّ ، وبين عباديّة هذه المقدّمات الثابتة عباديّتها ، وإلاّ فكون هذه المقدّمات عباديّة يستحقّ الثواب عليها أمر مفروغ عنه ، لا يمكن رفع اليد عنه.

فإذن ، لا بدّ لنا من توضيح ما أصّلناه في الواجب الغيريّ بتوجيه عباديّة المقدّمة على وجه يلائم توصّليّة الأمر الغيريّ ، وقد ذهبت الآراء أشتاتا في توجيه ذلك.

ونحن نقول على الاختصار : إنّه من المتيقّن ـ الذي لا ينبغي أن يتطرّق إليه الشكّ من أحد ـ أنّ الصلاة ـ مثلا ـ ثبت من طريق الشرع توقّف صحّتها على إحدى الطهارات الثلاث ، ولكن لا تتوقّف على مجرّد أفعالها كيفما اتّفق وقوعها ، بل إنّما تتوقّف على فعل الطهارة إذا وقع على الوجه العباديّ ، أي إذا وقع متقرّبا به إلى الله (تعالى) ، فالوضوء العباديّ ـ مثلا ـ هو الشرط ، وهو المقدّمة التي تتوقّف صحّة الصلاة عليها.

وعليه ، فلا بدّ أن يفرض الوضوء عبادة قبل فرض تعلّق الأمر الغيريّ به ؛ لأنّ الأمر الغيريّ ـ حسبما فرضناه ـ إنّما يتعلّق بالوضوء العباديّ بما هو عبادة ، لا بأصل الوضوء بما هو ؛ فلم تنشأ عباديّته من الأمر الغيريّ حتّى يقال : «إنّ عباديّته لا تلائم توصّليّة الأمر

__________________

(١) التأنيث باعتبار ما أضيفت إليه كلمة «بعض».

(٢) هذا سهو من المصنّف رحمه‌الله. والصواب : «الأمر الثالث». فراجع الصفحة : ٢٧٢ ـ ٢٧٣.