درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۲۰۹: مقدمه واجب ۲۵

 

٩. المقدّمة العباديّة

ثبت بالدليل أنّ بعض المقدّمات الشرعيّة لا تقع (١) مقدّمة إلاّ إذا وقعت على وجه عباديّ ، وثبت أيضا ترتّب الثواب عليها بخصوصها. ومثالها منحصر في الطهارات الثلاث : الوضوء ، والغسل ، والتيمّم.

وقد سبق في الأمر الثاني (٢) الإشكال فيها من جهتين : من جهة أنّ الواجب الغيريّ لا يكون إلاّ توصّليّا ، فكيف يجوز أن تقع المقدّمة بما هي مقدّمة عبادة؟! ومن جهة ثانية : أنّ الواجب الغيريّ بما هو واجب غيريّ لا استحقاق للثواب عليه.

وفي الحقيقة إنّ هذا الإشكال ليس إلاّ إشكالا على أصولنا التي أصّلناها للواجب الغيريّ ، فنقع في حيرة في التوفيق بين ما فهمناه عن الواجب الغيريّ ، وبين عباديّة هذه المقدّمات الثابتة عباديّتها ، وإلاّ فكون هذه المقدّمات عباديّة يستحقّ الثواب عليها أمر مفروغ عنه ، لا يمكن رفع اليد عنه.

فإذن ، لا بدّ لنا من توضيح ما أصّلناه في الواجب الغيريّ بتوجيه عباديّة المقدّمة على وجه يلائم توصّليّة الأمر الغيريّ ، وقد ذهبت الآراء أشتاتا في توجيه ذلك.

ونحن نقول على الاختصار : إنّه من المتيقّن ـ الذي لا ينبغي أن يتطرّق إليه الشكّ من أحد ـ أنّ الصلاة ـ مثلا ـ ثبت من طريق الشرع توقّف صحّتها على إحدى الطهارات الثلاث ، ولكن لا تتوقّف على مجرّد أفعالها كيفما اتّفق وقوعها ، بل إنّما تتوقّف على فعل الطهارة إذا وقع على الوجه العباديّ ، أي إذا وقع متقرّبا به إلى الله (تعالى) ، فالوضوء العباديّ ـ مثلا ـ هو الشرط ، وهو المقدّمة التي تتوقّف صحّة الصلاة عليها.

وعليه ، فلا بدّ أن يفرض الوضوء عبادة قبل فرض تعلّق الأمر الغيريّ به ؛ لأنّ الأمر الغيريّ ـ حسبما فرضناه ـ إنّما يتعلّق بالوضوء العباديّ بما هو عبادة ، لا بأصل الوضوء بما هو ؛ فلم تنشأ عباديّته من الأمر الغيريّ حتّى يقال : «إنّ عباديّته لا تلائم توصّليّة الأمر

__________________

(١) التأنيث باعتبار ما أضيفت إليه كلمة «بعض».

(٢) هذا سهو من المصنّف رحمه‌الله. والصواب : «الأمر الثالث». فراجع الصفحة : ٢٧٢ ـ ٢٧٣.

الغيريّ» ، بل عباديّته لا بدّ أن تكون مفروضة التحقّق قبل فرض تعلّق الأمر الغيريّ به. ومن هنا يصحّ استحقاق الثواب عليه ؛ لأنّه عبادة في نفسه. (١)

ولكن ينشأ من هذا البيان إشكال آخر ، وهو أنّه إذا كانت عباديّة الطهارات غير ناشئة من الأمر الغيريّ ، فما هو الأمر المصحّح لعباديّتها ، والمعروف أنّه لا يصحّ فرض العبادة عبادة إلاّ بتعلّق أمر بها ليمكن قصد امتثاله ؛ لأنّ قصد امتثال الأمر هو المقوّم لعباديّة العبادة عندهم ، وليس لها في الواقع إلاّ الأمر الغيريّ ، فرجع الأمر بالأخير إلى الغيريّ لتصحيح عباديّتها (٢)؟

على أنّه يستحيل أن يكون الأمر الغيريّ هو المصحّح لعباديّتها ؛ لتوقّف عباديّتها ـ حينئذ ـ على سبق الأمر الغيريّ ، والمفروض أنّ الأمر الغيريّ متأخّر عن فرض عباديّتها ؛ لأنّه إنّما تعلّق بها بما هي عبادة ، فيلزم تقدّم المتأخّر وتأخّر المتقدّم ، وهو خلف محال أو دور على ما قيل (٣).

وقد أجيب عن هذه الشبهة بوجوه كثيرة (٤).

وأحسنها فيما أرى ـ بناء على ثبوت الأمر الغيريّ ، أي وجوب مقدّمة الواجب ، وبناء على أنّ عباديّة العبادة لا تكون إلاّ بقصد الأمر المتعلّق بها ـ هو أنّ المصحّح لعباديّة الطهارات هو الأمر النفسيّ الاستحبابيّ لها في حدّ ذاتها السابق على تعلّق الأمر الغيريّ بها. وهذا الاستحباب باق حتّى بعد فرض الأمر الغيريّ ، ولكن لا بحدّ الاستحباب الذي هو جواز الترك ؛ إذ المفروض أنّه قد وجب فعلها ، فلا يجوز تركها ، وليس الاستحباب إلاّ مرتبة ضعيفة بالنسبة إلى الوجوب ، فلو طرأ عليه الوجوب لا ينعدم ، بل يشتدّ وجوده ؛ فيكون الوجوب استمرارا له كاشتداد السواد والبياض من مرتبة ضعيفة إلى مرتبة أقوى ، وهو وجود واحد مستمرّ. وإذا كان الأمر كذلك فالأمر الغيريّ حينئذ يدعو إلى ما هو

__________________

(١) هذا ما أفاده المحقّق الخراسانيّ في الكفاية : ١٣٩ ـ ١٤٠.

(٢) هذا الإشكال أورده المحقّق النائينيّ على المحقّق الخراسانيّ. راجع أجود التقريرات ١ : ٢٥٥.

(٣) والقائل الشيخ الأنصاريّ في كتاب «الطهارة» : ٨٧ السطر ٢٨ ـ ٣٦.

(٤) راجع أجود التقريرات ١ : ٢٥٥ ؛ بدائع الأفكار (العراقي) ١ : ٣٨١ ؛ نهاية الدراية ١ : ٣٨٠.