درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۲۱۷: مسئله ضد ۲

 

يلزمه عقلا النهي عن الضدّ من دون أن يكون لزومه بيّنا بالمعنى الأخصّ حتّى يدلّ عليه بالالتزام. فالمراد من الاقتضاء عندهم أعمّ من كلّ ذلك (١).

٣. «النهي» ، ويراد به النهي المولويّ من الشارع وإن كان تبعيّا ، كوجوب المقدّمة الغيريّ التبعيّ (٢). والنهي معناه المطابقيّ ـ كما سبق في مبحث النواهي (٣) ـ هو الزجر والردع عمّا تعلّق به. وفسّره المتقدّمون بطلب الترك (٤) ، وهو تفسير بلازم معناه ، ولكنّهم فرضوه كأنّ ذلك هو معناه المطابقيّ ، ولذا اعترض بعضهم على ذلك فقال : «إنّ طلب الترك محال ، فلا بدّ أن يكون المطلوب الكفّ» (٥). وهكذا تنازعوا في أنّ المطلوب بالنهي الترك أو الكفّ؟ ولا معنى لنزاعهم هذا إلاّ إذا كانوا قد فرضوا أنّ معنى النهي هو الطلب ، فوقعوا في حيرة في أنّ المطلوب به أيّ شيء هو؟ الترك ، أو الكفّ؟

ولو كان المراد من النهي هو طلب الترك ـ كما ظنّوا ـ لما كان معنى لنزاعهم في الضدّ العامّ ؛ فإنّ النهي عنه معناه ـ على حسب ظنّهم ـ طلب ترك ترك المأمور به. ولمّا كان نفي النفي إثباتا فيرجع معنى النهي عن الضدّ العامّ إلى معنى طلب فعل المأمور به ، فيكون قولهم : «الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضدّه العامّ» تبديلا للفظ بلفظ آخر بمعناه ، ويكون عبارة أخرى عن القول بـ «أنّ الأمر بالشيء يقتضي نفسه». وما أشدّ سخف مثل هذا البحث!

ولعلّه لأجل هذا التوهّم ـ أي توهّم أنّ النهي معناه طلب الترك ـ ذهب بعضهم (٦) إلى عينيّة الأمر بالشيء للنهي عن الضدّ العامّ.

وبعد بيان هذه الأمور الثلاثة في تحرير محلّ النزاع يتّضح موضع النزاع ، وكيفيّته أنّ النزاع معناه يكون أنّه إذا تعلّق أمر بشيء هل إنّه لا بدّ أن يتعلّق نهي المولى بضدّه العامّ أو

__________________

(١) وصرّحوا بذلك أيضا في كتبهم. راجع مطارح الأنظار : ١١٧ ؛ كفاية الأصول ١٦٠ ؛ فوائد الأصول ١ : ٣٠١ ، المحاضرات ٣ : ٨.

(٢) خلافا للمحقّق القميّ حيث زعم أنّ المراد منه خصوص النهي الأصلي. راجع ـ قوانين الأصول ١ : ١١٤.

(٣) راجع الصفحة : ١١٦.

(٤) فسّره به في معالم الدين : ١٠٤ ، وقوانين الأصول ١ : ١٣٥ ـ ١٣٧ ، والفصول الغرويّة : ١٢٠.

(٥) كما ذهب إليه العضديّ في شرحه على مختصر الأصول ١ : ١٠٣.

(٦) وهو صاحب الفصول ، فراجع الفصول الغرويّة : ٩٢.

الخاصّ؟ فالنزاع يكون في ثبوت النهي المولويّ عن الضدّ بعد فرض ثبوت الأمر بالشيء ، وبعد فرض ثبوت النهي فهناك نزاع آخر في كيفيّة إثبات ذلك.

وعلى كلّ حال ، فإنّ مسألتنا ـ كما قلنا ـ تنحلّ إلى مسألتين : إحداهما : في الضدّ العامّ. والثانية : في الضدّ الخاصّ ، فينبغي البحث عنهما في بابين :

١. الضدّ العامّ

لم يكن اختلافهم في الضدّ العامّ من جهة أصل الاقتضاء وعدمه ، فإنّ الظاهر أنّهم متّفقون على الاقتضاء ، وإنّما اختلافهم في كيفيّته (١) :

فقيل (٢) : إنّه على نحو العينيّة ، أي إنّ الأمر بالشيء عين النهي عن ضدّه العامّ ، فيدلّ عليه حينئذ بالدلالة المطابقيّة.

وقيل (٣) : إنّه على نحو الجزئيّة ، فيدلّ عليه بالدلالة التضمّنيّة ، باعتبار أنّ الوجوب ينحلّ إلى طلب الشيء مع المنع من الترك ، فيكون المنع من الترك جزءا تحليليّا في معنى الوجوب.

وقيل : إنّه على نحو اللزوم البيّن بالمعنى الأخصّ (٤) ، فيدلّ عليه بالدلالة الالتزاميّة (٥).

وقيل (٦) : إنّه على نحو اللزوم البيّن بالمعنى الأعمّ ، أو غير البيّن ، فيكون اقتضاؤه له

__________________

(١) هذا ما ادّعاه صاحب المعالم في معالم الدين : ٧١ والشهيد الصدر في الحلقات ٢ : ٢٧٩. ولكن لا أصل له ، حيث ذهب بعض القدماء إلى عدم الاقتضاء رأسا ، كالسيّد المرتضى في الذريعة إلى أصول الشريعة ١ : ٨٥ ـ ٨٨ ، والعضديّ في شرحه على مختصر الأصول ١ : ١٩٩ ؛ بل هو المنسوب إلى العميديّ وجمهور المعتزلة وبعض الأشاعرة كما في نهاية السئول ١ : ٢٢٦ ـ ٢٢٧.

(٢) والقائل صاحب الفصول في الفصول الغرويّة : ٩٢.

(٣) والقائل صاحب المعالم في معالم الدين : ٧٠ و ٧٢.

(٤) أي نفس تصوّر الإلزام يوجب تصوّر المنع من الترك.

(٥) وهذا ما ذهب إليه المحقّق النائينيّ في فوائد الأصول ١ : ٣٠٣. وهو الظاهر أيضا من المحقّق الخراسانيّ في الكفاية : ١٦٥ ، والمحقّق العراقيّ في نهاية الأفكار ١ : ٣٧٧.

(٦) والقائل هو المحقّق القمي في قوانين الأصول ١ : ١٠٨ و ١١٣. واختاره العلاّمة النراقيّ في مناهج الأحكام والأصول : ٦١.