درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۲۱۸: مسئله ضد ۳

 

الخاصّ؟ فالنزاع يكون في ثبوت النهي المولويّ عن الضدّ بعد فرض ثبوت الأمر بالشيء ، وبعد فرض ثبوت النهي فهناك نزاع آخر في كيفيّة إثبات ذلك.

وعلى كلّ حال ، فإنّ مسألتنا ـ كما قلنا ـ تنحلّ إلى مسألتين : إحداهما : في الضدّ العامّ. والثانية : في الضدّ الخاصّ ، فينبغي البحث عنهما في بابين :

١. الضدّ العامّ

لم يكن اختلافهم في الضدّ العامّ من جهة أصل الاقتضاء وعدمه ، فإنّ الظاهر أنّهم متّفقون على الاقتضاء ، وإنّما اختلافهم في كيفيّته (١) :

فقيل (٢) : إنّه على نحو العينيّة ، أي إنّ الأمر بالشيء عين النهي عن ضدّه العامّ ، فيدلّ عليه حينئذ بالدلالة المطابقيّة.

وقيل (٣) : إنّه على نحو الجزئيّة ، فيدلّ عليه بالدلالة التضمّنيّة ، باعتبار أنّ الوجوب ينحلّ إلى طلب الشيء مع المنع من الترك ، فيكون المنع من الترك جزءا تحليليّا في معنى الوجوب.

وقيل : إنّه على نحو اللزوم البيّن بالمعنى الأخصّ (٤) ، فيدلّ عليه بالدلالة الالتزاميّة (٥).

وقيل (٦) : إنّه على نحو اللزوم البيّن بالمعنى الأعمّ ، أو غير البيّن ، فيكون اقتضاؤه له

__________________

(١) هذا ما ادّعاه صاحب المعالم في معالم الدين : ٧١ والشهيد الصدر في الحلقات ٢ : ٢٧٩. ولكن لا أصل له ، حيث ذهب بعض القدماء إلى عدم الاقتضاء رأسا ، كالسيّد المرتضى في الذريعة إلى أصول الشريعة ١ : ٨٥ ـ ٨٨ ، والعضديّ في شرحه على مختصر الأصول ١ : ١٩٩ ؛ بل هو المنسوب إلى العميديّ وجمهور المعتزلة وبعض الأشاعرة كما في نهاية السئول ١ : ٢٢٦ ـ ٢٢٧.

(٢) والقائل صاحب الفصول في الفصول الغرويّة : ٩٢.

(٣) والقائل صاحب المعالم في معالم الدين : ٧٠ و ٧٢.

(٤) أي نفس تصوّر الإلزام يوجب تصوّر المنع من الترك.

(٥) وهذا ما ذهب إليه المحقّق النائينيّ في فوائد الأصول ١ : ٣٠٣. وهو الظاهر أيضا من المحقّق الخراسانيّ في الكفاية : ١٦٥ ، والمحقّق العراقيّ في نهاية الأفكار ١ : ٣٧٧.

(٦) والقائل هو المحقّق القمي في قوانين الأصول ١ : ١٠٨ و ١١٣. واختاره العلاّمة النراقيّ في مناهج الأحكام والأصول : ٦١.

عقليّا صرفا.

والحقّ أنّه لا يقتضيه بأيّ نحو من أنحاء الاقتضاء (١) ، أي إنّه ليس هناك نهي مولويّ عن الترك يقتضيه نفس الأمر بالفعل على وجه يكون هناك نهي مولويّ وراء نفس الأمر بالفعل.

والدليل عليه أنّ الوجوب ـ سواء كان مدلولا لصيغة الأمر ، أو لازما عقليّا لها كما هو الحقّ ـ ليس معنى مركّبا ، بل هو معنى بسيط وحدانيّ ، هو لزوم الفعل ، ولازم كون الشيء واجبا المنع من تركه.

ولكن هذا المنع اللازم للوجوب ليس منعا مولويّا ، ونهيا شرعيّا ، بل هو منع عقليّ تبعيّ من غير أن يكون هناك من الشارع منع ونهي وراء نفس الوجوب. وسرّ ذلك واضح ، فإنّ نفس الأمر بالشيء على وجه الوجوب كاف في الزجر عن تركه ، فلا حاجة إلى جعل للنهي عن الترك من الشارع زيادة على الأمر بذلك الشيء.

فإن كان مراد القائلين بالاقتضاء في المقام أنّ نفس الأمر بالفعل يكون زاجرا عن تركه ، فهو مسلّم ، بل لا بدّ منه ؛ لأنّ هذا هو مقتضى الوجوب ؛ ولكن ليس هذا هو موضع النزاع في المسألة ، بل موضع النزاع هو النهي المولويّ زائدا على الأمر بالفعل ؛ وإن كان مرادهم أنّ هناك نهيا مولويّا عن الترك يقتضيه الأمر بالفعل ـ كما هو موضع النزاع ـ فهو غير مسلّم ، ولا دليل عليه ، بل هو ممتنع.

وبعبارة أوضح وأوسع : أنّ الأمر والنهي متعاكسان ـ بمعنى أنّه إذا تعلّق الأمر بشيء فعلى طبع ذلك يكون نقيضه بالتبع ممنوعا منه ، وإلاّ لخرج الواجب عن كونه واجبا ؛ وإذا تعلّق النهي بشيء فعلى طبع ذلك يكون نقيضه بالتبع مدعوّا إليه ، وإلاّ لخرج المحرّم عن كونه محرّما ... ، ولكن ليس معنى هذه التبعيّة في الأمر أن يتحقّق ـ فعلا ـ نهي مولويّ عن ترك المأمور به بالإضافة إلى الأمر المولويّ بالفعل ، كما أنّه ليس معنى هذه التبعيّة في النهي أن يتحقّق ـ فعلا ـ أمر مولويّ بترك المنهيّ عنه بالإضافة إلى النهي

__________________

(١) كما ذهب إليه الإمام الخمينيّ والمحقّق الخوئيّ من المعاصرين ، فراجع مناهج الوصول ٢ : ١٧ ، والمحاضرات ٣ : ٤٨.