درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۲۱۹: مسئله ضد ۴

 

عقليّا صرفا.

والحقّ أنّه لا يقتضيه بأيّ نحو من أنحاء الاقتضاء (١) ، أي إنّه ليس هناك نهي مولويّ عن الترك يقتضيه نفس الأمر بالفعل على وجه يكون هناك نهي مولويّ وراء نفس الأمر بالفعل.

والدليل عليه أنّ الوجوب ـ سواء كان مدلولا لصيغة الأمر ، أو لازما عقليّا لها كما هو الحقّ ـ ليس معنى مركّبا ، بل هو معنى بسيط وحدانيّ ، هو لزوم الفعل ، ولازم كون الشيء واجبا المنع من تركه.

ولكن هذا المنع اللازم للوجوب ليس منعا مولويّا ، ونهيا شرعيّا ، بل هو منع عقليّ تبعيّ من غير أن يكون هناك من الشارع منع ونهي وراء نفس الوجوب. وسرّ ذلك واضح ، فإنّ نفس الأمر بالشيء على وجه الوجوب كاف في الزجر عن تركه ، فلا حاجة إلى جعل للنهي عن الترك من الشارع زيادة على الأمر بذلك الشيء.

فإن كان مراد القائلين بالاقتضاء في المقام أنّ نفس الأمر بالفعل يكون زاجرا عن تركه ، فهو مسلّم ، بل لا بدّ منه ؛ لأنّ هذا هو مقتضى الوجوب ؛ ولكن ليس هذا هو موضع النزاع في المسألة ، بل موضع النزاع هو النهي المولويّ زائدا على الأمر بالفعل ؛ وإن كان مرادهم أنّ هناك نهيا مولويّا عن الترك يقتضيه الأمر بالفعل ـ كما هو موضع النزاع ـ فهو غير مسلّم ، ولا دليل عليه ، بل هو ممتنع.

وبعبارة أوضح وأوسع : أنّ الأمر والنهي متعاكسان ـ بمعنى أنّه إذا تعلّق الأمر بشيء فعلى طبع ذلك يكون نقيضه بالتبع ممنوعا منه ، وإلاّ لخرج الواجب عن كونه واجبا ؛ وإذا تعلّق النهي بشيء فعلى طبع ذلك يكون نقيضه بالتبع مدعوّا إليه ، وإلاّ لخرج المحرّم عن كونه محرّما ... ، ولكن ليس معنى هذه التبعيّة في الأمر أن يتحقّق ـ فعلا ـ نهي مولويّ عن ترك المأمور به بالإضافة إلى الأمر المولويّ بالفعل ، كما أنّه ليس معنى هذه التبعيّة في النهي أن يتحقّق ـ فعلا ـ أمر مولويّ بترك المنهيّ عنه بالإضافة إلى النهي

__________________

(١) كما ذهب إليه الإمام الخمينيّ والمحقّق الخوئيّ من المعاصرين ، فراجع مناهج الوصول ٢ : ١٧ ، والمحاضرات ٣ : ٤٨.

المولويّ عن الفعل.

والسرّ ما قلناه : إنّ نفس الأمر بالشيء كاف في الزجر عن تركه ، كما أنّ نفس النهي عن الفعل كاف للدعوة إلى تركه ، بلا حاجة إلى جعل جديد من المولى في المقامين ، بل لا يعقل الجعل الجديد كما قلنا في مقدّمة الواجب حذو القذّة بالقذّة ، فراجع.

ولأجل هذه التبعيّة الواضحة اختلط الأمر على كثير من المحرّرين لهذه المسألة ، فحسبوا أنّ هناك نهيا مولويّا عن ترك المأمور به وراء الأمر بالشيء اقتضاه الأمر على نحو العينيّة ، أو التضمّن ، أو الالتزام ، أو اللزوم العقليّ. كما حسبوا ـ هنا في مبحث النهي ـ أنّ معنى النهي هو الطلب إمّا للترك أو الكفّ ، وقد تقدّمت الإشارة إلى ذلك في تحرير النزاع (١).

وهذان التوهّمان في النهي والأمر من واد واحد. وعليه ، فليس هناك طلب للترك وراء الردع عن الفعل في النهي ، ولا نهي عن الترك وراء طلب الفعل في الأمر.

نعم ، يجوز للآمر بدلا من الأمر بالشيء أن يعبّر عنه بالنهي عن الترك ، كأن يقول ـ مثلا ـ بدلا من قوله «صلّ» : «لا تترك الصلاة». ويجوز له بدلا من النهي عن الشيء أن يعبّر عنه بالأمر بالترك ، كأن يقول ـ مثلا ـ بدلا من قوله «لا تشرب الخمر» : «اترك شرب الخمر» ، فيؤدّي التعبير الثاني في المقامين مؤدّى التعبير الأوّل المبدل منه ، أي إنّ التعبير الثاني يحقّق الغرض من التعبير الأوّل.

فإذا كان مقصود القائل بأنّ الأمر بالشيء عين النهي عن ضدّه العامّ هذا المعنى ـ أي إنّ أحدهما يصحّ أن يوضع موضع الآخر ، ويحلّ محلّه في أداء غرض الآمر ـ فلا بأس به وهو صحيح ، ولكن هذا غير العينيّة المقصودة في المسألة على الظاهر.

٢. الضدّ الخاصّ

إنّ القول باقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضدّه الخاصّ يبتني ويتفرّع على القول باقتضائه للنهي عن ضدّه العامّ.

ولمّا ثبت ـ حسبما تقدّم ـ أنّه لا نهي مولويّ عن الضدّ العامّ ، فبالطريق الأولى نقول :

__________________

(١) راجع الصفحة : ٣٠٢.