درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۲۲۰: مسئله ضد ۵

 

المولويّ عن الفعل.

والسرّ ما قلناه : إنّ نفس الأمر بالشيء كاف في الزجر عن تركه ، كما أنّ نفس النهي عن الفعل كاف للدعوة إلى تركه ، بلا حاجة إلى جعل جديد من المولى في المقامين ، بل لا يعقل الجعل الجديد كما قلنا في مقدّمة الواجب حذو القذّة بالقذّة ، فراجع.

ولأجل هذه التبعيّة الواضحة اختلط الأمر على كثير من المحرّرين لهذه المسألة ، فحسبوا أنّ هناك نهيا مولويّا عن ترك المأمور به وراء الأمر بالشيء اقتضاه الأمر على نحو العينيّة ، أو التضمّن ، أو الالتزام ، أو اللزوم العقليّ. كما حسبوا ـ هنا في مبحث النهي ـ أنّ معنى النهي هو الطلب إمّا للترك أو الكفّ ، وقد تقدّمت الإشارة إلى ذلك في تحرير النزاع (١).

وهذان التوهّمان في النهي والأمر من واد واحد. وعليه ، فليس هناك طلب للترك وراء الردع عن الفعل في النهي ، ولا نهي عن الترك وراء طلب الفعل في الأمر.

نعم ، يجوز للآمر بدلا من الأمر بالشيء أن يعبّر عنه بالنهي عن الترك ، كأن يقول ـ مثلا ـ بدلا من قوله «صلّ» : «لا تترك الصلاة». ويجوز له بدلا من النهي عن الشيء أن يعبّر عنه بالأمر بالترك ، كأن يقول ـ مثلا ـ بدلا من قوله «لا تشرب الخمر» : «اترك شرب الخمر» ، فيؤدّي التعبير الثاني في المقامين مؤدّى التعبير الأوّل المبدل منه ، أي إنّ التعبير الثاني يحقّق الغرض من التعبير الأوّل.

فإذا كان مقصود القائل بأنّ الأمر بالشيء عين النهي عن ضدّه العامّ هذا المعنى ـ أي إنّ أحدهما يصحّ أن يوضع موضع الآخر ، ويحلّ محلّه في أداء غرض الآمر ـ فلا بأس به وهو صحيح ، ولكن هذا غير العينيّة المقصودة في المسألة على الظاهر.

٢. الضدّ الخاصّ

إنّ القول باقتضاء الأمر بالشيء للنهي عن ضدّه الخاصّ يبتني ويتفرّع على القول باقتضائه للنهي عن ضدّه العامّ.

ولمّا ثبت ـ حسبما تقدّم ـ أنّه لا نهي مولويّ عن الضدّ العامّ ، فبالطريق الأولى نقول :

__________________

(١) راجع الصفحة : ٣٠٢.

إنّه لا نهي مولويّ عن الضدّ الخاصّ ؛ لما قلنا من ابتنائه وتفرّعه عليه.

وعلى هذا ، فالحقّ أنّ الأمر بالشيء لا يقتضي النهي عن ضدّه مطلقا ، سواء كان عامّا أو خاصّا.

أمّا كيف يبتني القول بالنهي عن الضدّ الخاصّ على القول بالنهي عن الضدّ العامّ ويتفرّع عليه فهذا ما يحتاج إلى شيء من البيان ، فنقول :

إنّ القائلين بالنهي عن الضدّ الخاصّ لهم مسلكان لا ثالث لهما ، وكلاهما يبتني ويتفرّع على ذلك :

الأوّل : مسلك التلازم

وخلاصته أنّ حرمة أحد المتلازمين تستدعي وتستلزم حرمة ملازمه الآخر. والمفروض أنّ فعل الضدّ الخاصّ يلازم ترك المأمور به ـ أي الضدّ العامّ ـ ، كالأكل ـ مثلا ـ الملازم فعله لترك الصلاة المأمور بها. وعندهم أنّ الضدّ العامّ محرّم منهيّ عنه ـ وهو ترك الصلاة في المثال ـ ، فيلزم على هذا أن يحرم الضدّ الخاصّ ـ وهو الأكل في المثال ـ ؛ فابتنى النهي عن الضدّ الخاصّ بمقتضى هذا المسلك على ثبوت النهي عن الضدّ العامّ.

أمّا نحن فلمّا ذهبنا إلى أنّه لا نهي مولويّ عن الضدّ العامّ ، فلا موجب لدينا من جهة الملازمة المدّعاة للقول بكون الضدّ الخاصّ منهيّا عنه بنهي مولويّ ؛ لأنّ ملازمه ليس منهيّا عنه حسب التحقيق الذي مرّ.

على أنّا نقول ثانيا ـ بعد التنازل عن ذلك والتسليم بأنّ الضدّ العامّ منهي عنه ـ : إنّ هذا المسلك ليس صحيحا في نفسه ، يعنى أنّ كبراه غير مسلّمة ، وهي «أنّ حرمة أحد المتلازمين تستلزم حرمة ملازمه الآخر» ؛ فإنّه لا يجب اتّفاق المتلازمين في الحكم ، لا في الوجوب ، ولا الحرمة ، ولا غيرهما من الأحكام ، ما دام أنّ مناط الحكم غير موجود في الملازم الآخر. نعم ، القدر المسلّم في المتلازمين أنّه لا يمكن أن يختلفا في الوجوب والحرمة على وجه يكون أحدهما واجبا والآخر محرّما ؛ لاستحالة امتثالهما حينئذ من المكلّف ، فيستحيل التكليف من المولى بهما ، فإمّا أن يحرم أحدهما ، أو يجب الآخر.

يرجع ذلك إلى باب التزاحم الذي سيأتي التعرّض له.

وبهذا تبطل «شبهة الكعبيّ» المعروفة التي أخذت قسطا وافرا من أبحاث الأصوليّين إذا كان مبناها هذه الملازمة المدّعاة ؛ فإنّه نسب إليه القول بنفي المباح (١) بدعوى أنّ كلّ ما يظنّ من الأفعال أنّه مباح فهو واجب في الحقيقة ؛ لأنّ فعل كلّ مباح ملازم قهرا لواجب وهو ترك محرّم واحد من المحرّمات على الأقلّ.

الثاني : مسلك المقدّميّة

وخلاصته دعوى أنّ ترك الضدّ الخاصّ مقدّمة لفعل المأمور به ، ففي المثال المتقدّم يكون ترك الأكل مقدّمة لفعل الصلاة ، ومقدّمة الواجب واجبة ، فيجب ترك الضدّ الخاصّ.

وإذا وجب ترك الأكل حرم تركه ، ـ أي ترك ترك الأكل ـ ؛ لأنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن الضدّ العامّ ؛ وإذا حرم ترك ترك الأكل ، فإنّ معناه حرمة فعله ؛ لأنّ نفي النفي إثبات ؛ فيكون الضدّ الخاصّ منهيّا عنه. هذا خلاصة مسلك المقدّميّة.

وقد رأيت كيف ابتنى النهي عن الضدّ الخاصّ على ثبوت النهي عن الضدّ العامّ. ونحن إذ قلنا بأنّه لا نهي مولويّ عن الضدّ العامّ فلا يحرم ترك ترك الضدّ الخاصّ حرمة مولويّة ـ أي لا يحرم فعل الضدّ الخاص ـ ، فثبت المطلوب.

على أنّ مسلك المقدّميّة غير صحيح من وجهين آخرين :

أحدهما : أنّه بعد التنزّل عمّا تقدّم ، وتسليم حرمة الضدّ العامّ ، فإنّ هذا المسلك كما هو واضح يبتني على وجوب مقدّمة الواجب ، وقد سبق أن أثبتنا أنّها ليست واجبة بوجوب مولويّ (٢) ، وعليه ، لا يكون ترك الضدّ الخاصّ واجبا بالوجوب الغيريّ المولويّ حتى

__________________

(١) نسب إليه في شرح العضديّ ١ : ٢٠٣ ، ومعالم الدين : ٧٧. وقال في القوانين ١ : ١١٤ : «المباح يجوز تركه خلافا للكعبي ، فإنّه قال بوجوب المباح. والمنقول عنه مشتبه المقصود. فقد يقال : إنّ مراده أنّ كلّ ما هو مباح عند الجمهور فهو واجب عنده لا غير ، وقد يقال : إنّ مراده أنّ كلّ ما كان مباحا بالذات فهو واجب بالعرض.»

(٢) سبق في الصفحة : ٢٩٩ ـ ٣٠٠.