درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۲۲۱: مسئله ضد ۶

 

يرجع ذلك إلى باب التزاحم الذي سيأتي التعرّض له.

وبهذا تبطل «شبهة الكعبيّ» المعروفة التي أخذت قسطا وافرا من أبحاث الأصوليّين إذا كان مبناها هذه الملازمة المدّعاة ؛ فإنّه نسب إليه القول بنفي المباح (١) بدعوى أنّ كلّ ما يظنّ من الأفعال أنّه مباح فهو واجب في الحقيقة ؛ لأنّ فعل كلّ مباح ملازم قهرا لواجب وهو ترك محرّم واحد من المحرّمات على الأقلّ.

الثاني : مسلك المقدّميّة

وخلاصته دعوى أنّ ترك الضدّ الخاصّ مقدّمة لفعل المأمور به ، ففي المثال المتقدّم يكون ترك الأكل مقدّمة لفعل الصلاة ، ومقدّمة الواجب واجبة ، فيجب ترك الضدّ الخاصّ.

وإذا وجب ترك الأكل حرم تركه ، ـ أي ترك ترك الأكل ـ ؛ لأنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن الضدّ العامّ ؛ وإذا حرم ترك ترك الأكل ، فإنّ معناه حرمة فعله ؛ لأنّ نفي النفي إثبات ؛ فيكون الضدّ الخاصّ منهيّا عنه. هذا خلاصة مسلك المقدّميّة.

وقد رأيت كيف ابتنى النهي عن الضدّ الخاصّ على ثبوت النهي عن الضدّ العامّ. ونحن إذ قلنا بأنّه لا نهي مولويّ عن الضدّ العامّ فلا يحرم ترك ترك الضدّ الخاصّ حرمة مولويّة ـ أي لا يحرم فعل الضدّ الخاص ـ ، فثبت المطلوب.

على أنّ مسلك المقدّميّة غير صحيح من وجهين آخرين :

أحدهما : أنّه بعد التنزّل عمّا تقدّم ، وتسليم حرمة الضدّ العامّ ، فإنّ هذا المسلك كما هو واضح يبتني على وجوب مقدّمة الواجب ، وقد سبق أن أثبتنا أنّها ليست واجبة بوجوب مولويّ (٢) ، وعليه ، لا يكون ترك الضدّ الخاصّ واجبا بالوجوب الغيريّ المولويّ حتى

__________________

(١) نسب إليه في شرح العضديّ ١ : ٢٠٣ ، ومعالم الدين : ٧٧. وقال في القوانين ١ : ١١٤ : «المباح يجوز تركه خلافا للكعبي ، فإنّه قال بوجوب المباح. والمنقول عنه مشتبه المقصود. فقد يقال : إنّ مراده أنّ كلّ ما هو مباح عند الجمهور فهو واجب عنده لا غير ، وقد يقال : إنّ مراده أنّ كلّ ما كان مباحا بالذات فهو واجب بالعرض.»

(٢) سبق في الصفحة : ٢٩٩ ـ ٣٠٠.

يحرم فعله.

ثانيهما : أنّا لا نسلّم أنّ ترك الضدّ الخاصّ مقدّمة لفعل المأمور به ، وهذه المقدّميّة ـ أعني مقدّميّة ترك الضدّ الخاصّ ـ لا تزال مثارا للبحث عند المتأخّرين حتى أصبحت من المسائل الدقيقة المطوّلة (١) ، ونحن في غنى عن البحث عنها بعد ما تقدّم.

ولكن لحسم مادّة الشبهة لا بأس بذكر خلاصة ما يرفع المغالطة في دعوى مقدّميّة ترك الضدّ ، فنقول :

إنّ المدّعي لمقدّميّة ترك الضدّ لضدّه تبتني دعواه على أنّ عدم الضدّ من باب عدم المانع بالنسبة إلى الضدّ الآخر للتمانع بين الضدّين ـ أي لا يمكن اجتماعهما معا ـ ، ولا شكّ في أنّ عدم المانع من المقدّمات ؛ لأنّه من متمّمات العلّة ، فإنّ العلّة التامّة ـ كما هو معروف ـ تتألّف من المقتضي وعدم المانع.

فيتألّف دليله من مقدّمتين :

١. الصغرى : إنّ عدم الضدّ من باب «عدم المانع» لضدّه ؛ لأنّ الضدّين متمانعان.

٢. الكبرى : إنّ «عدم المانع» من المقدّمات.

فينتج من الشكل الأوّل أنّ عدم الضدّ من المقدّمات لضدّه.

وهذه الشبهة إنّما نشأت من أخذ كلمة «المانع» مطلقة. فتخيّلوا أنّ لها معنى واحدا في الصغرى والكبرى ، فانتظم عندهم القياس الذي ظنّوه منتجا ، بينما أنّ الحقّ أنّ التمانع له معنيان ، ومعناه في الصغرى غير معناه في الكبرى ، فلم يتكرّر الحدّ الأوسط ، فلم يتألّف قياس صحيح.

بيان ذلك أنّ التمانع تارة يراد منه التمانع في الوجود ، وهو امتناع الاجتماع وعدم الملاءمة بين الشيئين ، وهو المقصود من التمانع بين الضدّين ؛ إذ هما لا يجتمعان في الوجود ولا يتلاءمان ؛ وأخرى يراد منه التمانع في التأثير وإن لم يكن بينهما تمانع وتناف في الوجود ، وهو الذي يكون بين المقتضيين لأثرين متمانعين في الوجود ؛ وإذ يكون

__________________

(١) وإن شئت فراجع الكتب المطوّلة ، منها ما يلي : قوانين الأصول ١ : ١٠٨ ؛ هداية المسترشدين : ٢٣٠ ـ ٢٣١ ؛ مطارح الأنظار : ١٠٨ ـ ١١٢ ؛ كفاية الأصول : ١٦١ ـ ١٦٣ ؛ نهاية الدراية ١ : ٤٢٥ ـ ٤٤١.