درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۲۲۲: مسئله ضد ۷

 

يحرم فعله.

ثانيهما : أنّا لا نسلّم أنّ ترك الضدّ الخاصّ مقدّمة لفعل المأمور به ، وهذه المقدّميّة ـ أعني مقدّميّة ترك الضدّ الخاصّ ـ لا تزال مثارا للبحث عند المتأخّرين حتى أصبحت من المسائل الدقيقة المطوّلة (١) ، ونحن في غنى عن البحث عنها بعد ما تقدّم.

ولكن لحسم مادّة الشبهة لا بأس بذكر خلاصة ما يرفع المغالطة في دعوى مقدّميّة ترك الضدّ ، فنقول :

إنّ المدّعي لمقدّميّة ترك الضدّ لضدّه تبتني دعواه على أنّ عدم الضدّ من باب عدم المانع بالنسبة إلى الضدّ الآخر للتمانع بين الضدّين ـ أي لا يمكن اجتماعهما معا ـ ، ولا شكّ في أنّ عدم المانع من المقدّمات ؛ لأنّه من متمّمات العلّة ، فإنّ العلّة التامّة ـ كما هو معروف ـ تتألّف من المقتضي وعدم المانع.

فيتألّف دليله من مقدّمتين :

١. الصغرى : إنّ عدم الضدّ من باب «عدم المانع» لضدّه ؛ لأنّ الضدّين متمانعان.

٢. الكبرى : إنّ «عدم المانع» من المقدّمات.

فينتج من الشكل الأوّل أنّ عدم الضدّ من المقدّمات لضدّه.

وهذه الشبهة إنّما نشأت من أخذ كلمة «المانع» مطلقة. فتخيّلوا أنّ لها معنى واحدا في الصغرى والكبرى ، فانتظم عندهم القياس الذي ظنّوه منتجا ، بينما أنّ الحقّ أنّ التمانع له معنيان ، ومعناه في الصغرى غير معناه في الكبرى ، فلم يتكرّر الحدّ الأوسط ، فلم يتألّف قياس صحيح.

بيان ذلك أنّ التمانع تارة يراد منه التمانع في الوجود ، وهو امتناع الاجتماع وعدم الملاءمة بين الشيئين ، وهو المقصود من التمانع بين الضدّين ؛ إذ هما لا يجتمعان في الوجود ولا يتلاءمان ؛ وأخرى يراد منه التمانع في التأثير وإن لم يكن بينهما تمانع وتناف في الوجود ، وهو الذي يكون بين المقتضيين لأثرين متمانعين في الوجود ؛ وإذ يكون

__________________

(١) وإن شئت فراجع الكتب المطوّلة ، منها ما يلي : قوانين الأصول ١ : ١٠٨ ؛ هداية المسترشدين : ٢٣٠ ـ ٢٣١ ؛ مطارح الأنظار : ١٠٨ ـ ١١٢ ؛ كفاية الأصول : ١٦١ ـ ١٦٣ ؛ نهاية الدراية ١ : ٤٢٥ ـ ٤٤١.

المحلّ غير قابل إلاّ لتأثير أحد المقتضيين ، فإنّ المقتضيين حينئذ يتمانعان في تأثيرهما ، فلا يؤثّر أحدهما إلاّ بشرط عدم المقتضي الآخر ؛ وهذا هو المقصود من المانع في الكبرى ، فإنّ المانع الذي يكون عدمه شرطا لتأثير المقتضي هو المقتضي الآخر الذي يقتضي ضدّ أثر الأوّل. وعدم المانع إمّا لعدم وجوده أصلا أو لعدم بلوغه مرتبة الغلبة على الآخر في التأثير.

وعليه ، فنحن نسلّم أنّ عدم الضدّ من باب عدم المانع ، ولكنّه عدم المانع في الوجود ، وما هو من المقدّمات عدم المانع في التأثير ، فلم يتكرّر الحدّ الأوسط ؛ فلا نستنتج من القياس أنّ عدم الضدّ من المقدّمات.

وأعتقد أنّ هذا البيان لرفع المغالطة فيه الكفاية للمتنبّه ، وإصلاح هذا البيان بذكر بعض الشبهات فيه ودفعها يحتاج إلى سعة من القول لا تتحمّلها الرسالة. ولسنا بحاجة إلى نفي المقدّمة لإثبات المختار ، بعد ما قدّمناه (١).

ثمرة المسألة

إنّ ما ذكروه من الثمرات لهذه المسألة مختصّ بالضدّ الخاصّ فقط (٢) ، وأهمّها والعمدة فيها هي صحّة الضدّ إذا كان عبادة على القول بعدم الاقتضاء ، وفساده على القول بالاقتضاء (٣).

بيان ذلك أنّه قد يكون هناك واجب ـ أيّ واجب كان ، عبادة أو غير عبادة ـ ، وضدّه عبادة ، وكان الواجب أرجح في نظر الشارع من ضدّه العباديّ ؛ فإنّه لمكان التزاحم بين الأمرين للتضادّ بين متعلّقيهما ، والأوّل أرجح في نظر الشارع ، لا محالة يكون الأمر الفعليّ

__________________

(١) من عدم وجوب مقدّمة الواجب مطلقا.

(٢) وأمّا الضدّ العامّ فلم يذكروا له ثمرة ، مع أنّه أولى بذكرها من الضدّ الخاصّ ؛ لأنّ الاقتضاء في الضدّ العامّ كان مفروغا عنه عندهم.

(٣) قال الشيخ الأنصاريّ : «والظاهر أنّ هذه الثمرة من المسلّمات بين أكثر الأصحاب ، سيّما القدماء منهم ...». مطارح الأنظار : ١١٨.

ونقل عن الشيخ البهائيّ أنّه أنكر هذه الثمرة. هداية المسترشدين : ٢٤٤.