درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۱۲: استصحاب ۱۲

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

فإن قلت : على القول بكون الأحكام الشرعيّة تابعة للأحكام العقليّة ، فما هو مناط الحكم وموضوعه في الحكم العقليّ بقبح هذا الصدق فهو المناط والموضوع في حكم الشرع بحرمته ؛ إذ المفروض بقاعدة التطابق ، أنّ موضوع الحرمة ومناطها هو بعينه موضوع القبح ومناطه.

قلت : هذا مسلّم ، لكنّه مانع عن الفرق بين الحكم الشرعيّ والعقليّ من حيث الظنّ بالبقاء في الآن اللاحق ، لا من حيث جريان أخبار الاستصحاب وعدمه ؛ فإنّه تابع لتحقّق موضوع المستصحب ومعروضه بحكم العرف ، فإذا حكم الشارع بحرمة شيء في زمان ، وشكّ في الزمان الثاني ، ولم يعلم أنّ المناط الحقيقي واقعا ـ الذي هو المناط والموضوع (١) في حكم العقل ـ باق هنا أم لا ، فيصدق هنا أنّ الحكم الشرعيّ الثابت لما هو الموضوع له في الأدلّة الشرعيّة كان موجودا سابقا وشكّ في بقائه ، ويجري فيه أخبار الاستصحاب. نعم ، لو علم مناط هذا الحكم وموضوعه (٢) المعلّق عليه في حكم العقل لم يجر الاستصحاب ؛ لما ذكرنا من عدم إحراز الموضوع.

عدم جريان الاستصحاب في الأحكام العقليّة ولا في الأحكام الشرعيّة المستندة إليها

وممّا ذكرنا يظهر : أنّ الاستصحاب لا يجري في الأحكام العقليّة ، ولا في الأحكام الشرعيّة المستندة إليها ، سواء كانت وجوديّة أم عدميّة ، إذا كان العدم مستندا إلى القضيّة العقليّة ، كعدم وجوب الصلاة مع السورة على ناسيها ، فإنّه لا يجوز استصحابه بعد الالتفات ، كما صدر

__________________

(١) في (ه): «وعنوان الموضوع» ، وفي (ر) و (ص): «الذي هو عنوان الموضوع».

(٢) في (ر) و (ص) بدل «موضوعه» : «عنوانه».

من بعض (١) من مال إلى الحكم بالإجزاء في هذه الصورة وأمثالها من موارد الأعذار العقليّة الرافعة للتكليف مع قيام مقتضيه.

وأمّا إذا لم يكن العدم مستندا إلى القضيّة العقليّة ، بل كان لعدم المقتضي وإن كان القضيّة العقليّة موجودة أيضا ، فلا بأس باستصحاب العدم المطلق بعد ارتفاع القضيّة العقليّة.

استصحاب حال العقل لا يستند إلى القضيّة العقليّة

ومن هذا الباب استصحاب حال العقل ، المراد به في اصطلاحهم استصحاب البراءة والنفي ، فالمراد استصحاب الحال التي يحكم العقل على طبقها ـ وهو عدم التكليف ـ لا الحال المستندة إلى العقل ، حتّى يقال : إنّ مقتضى ما تقدّم هو عدم جواز استصحاب عدم التكليف عند ارتفاع القضيّة العقليّة ، وهي قبح تكليف غير المميّز أو المعدوم.

وممّا ذكرنا ظهر أنّه لا وجه للاعتراض (٢) على القوم ـ في تخصيص استصحاب حال العقل باستصحاب النفي والبراءة ـ بأنّ الثابت بالعقل قد يكون (٣) عدميّا وقد يكون وجوديّا ، فلا وجه للتخصيص ؛ وذلك لما عرفت : من أنّ الحال المستند إلى العقل المنوط بالقضيّة العقليّة لا يجري فيه (٤) الاستصحاب وجوديّا كان أو عدميّا ، وما ذكره من الأمثلة يظهر الحال فيها ممّا تقدّم.

__________________

(١) لم نعثر عليه ، وقيل : إنّه المحقّق القمّي ، انظر أوثق الوسائل : ٤٤٥.

(٢) المعترض هو صاحب الفصول في الفصول : ٣٦٦.

(٣) في (ت) و (ه) زيادة : «أمرا».

(٤) في (ت) ، (ر) و (ص): «فيها».

الثالث :

دليل المستصحب قد يدلّ على الاستمرار وقد لا يدلّ

أنّ دليل المستصحب : إمّا أن يدلّ على استمرار الحكم إلى حصول رافع أو غاية ، وإمّا أن لا يدلّ. وقد فصّل بين هذين القسمين المحقّق في المعارج ، والمحقّق الخوانساري في شرح الدروس ، فأنكرا الحجّية في الثاني واعترفا بها في الأوّل ، مطلقا كما يظهر من المعارج (١) ، أو بشرط كون الشكّ في وجود الغاية كما يأتي من شارح الدروس (٢).

وتخيّل بعضهم (٣) ـ تبعا لصاحب المعالم (٤) ـ : أنّ قول المحقّق قدس‌سره موافق للمنكرين ؛ لأنّ محلّ النزاع ما لم يكن الدليل مقتضيا للحكم في الآن اللاحق لو لا الشكّ في الرافع. وهو غير بعيد بالنظر إلى كلام السيّد (٥) والشيخ (٦) وابن زهرة (٧) وغيرهم ؛ حيث إنّ المفروض في كلامهم هو كون دليل الحكم في الزمان الأوّل قضيّة مهملة ساكتة عن حكم الزمان الثاني ولو مع فرض عدم الرافع.

__________________

(١) المعارج : ٢٠٩ ـ ٢١٠.

(٢) انظر الصفحة ٥٠ و ١٦٩.

(٣) مثل : الفاضل الجواد في غاية المأمول (مخطوط) : الورقة ١٣٠.

(٤) المعالم : ٢٣٥.

(٥) الذريعة ٢ : ٨٣٠.

(٦) العدّة ٢ : ٧٥٦ ـ ٧٥٨.

(٧) الغنية (الجوامع الفقهيّة) : ٤٨٦.

إلاّ أنّ الذي يقتضيه التدبّر في بعض كلماتهم ـ مثل : إنكار السيّد (١) لاستصحاب البلد المبنيّ على ساحل البحر مع كون الشكّ فيه نظير الشكّ في وجود الرافع للحكم الشرعيّ ، وغير ذلك ممّا يظهر للمتأمّل ، ويقتضيه الجمع بين كلماتهم وبين ما يظهر من بعض استدلال المثبتين والنافين ـ : هو عموم النزاع لما ذكره المحقّق ، فما ذكره في المعارج (٢) أخيرا ليس رجوعا عمّا ذكره أوّلا ، بل لعلّه بيان لمورد تلك الأدلّة التي ذكرها لاعتبار الاستصحاب ، وأنّها لا تقتضي اعتبارا أزيد من مورد يكون الدليل فيه مقتضيا للحكم مطلقا ويشكّ في رافعه.

__________________

(١) الذريعة ٢ : ٨٣٣.

(٢) المعارج : ٢٠٩ ـ ٢١٠.