درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۱۳: استصحاب ۱۳

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

الثالث :

دليل المستصحب قد يدلّ على الاستمرار وقد لا يدلّ

أنّ دليل المستصحب : إمّا أن يدلّ على استمرار الحكم إلى حصول رافع أو غاية ، وإمّا أن لا يدلّ. وقد فصّل بين هذين القسمين المحقّق في المعارج ، والمحقّق الخوانساري في شرح الدروس ، فأنكرا الحجّية في الثاني واعترفا بها في الأوّل ، مطلقا كما يظهر من المعارج (١) ، أو بشرط كون الشكّ في وجود الغاية كما يأتي من شارح الدروس (٢).

وتخيّل بعضهم (٣) ـ تبعا لصاحب المعالم (٤) ـ : أنّ قول المحقّق قدس‌سره موافق للمنكرين ؛ لأنّ محلّ النزاع ما لم يكن الدليل مقتضيا للحكم في الآن اللاحق لو لا الشكّ في الرافع. وهو غير بعيد بالنظر إلى كلام السيّد (٥) والشيخ (٦) وابن زهرة (٧) وغيرهم ؛ حيث إنّ المفروض في كلامهم هو كون دليل الحكم في الزمان الأوّل قضيّة مهملة ساكتة عن حكم الزمان الثاني ولو مع فرض عدم الرافع.

__________________

(١) المعارج : ٢٠٩ ـ ٢١٠.

(٢) انظر الصفحة ٥٠ و ١٦٩.

(٣) مثل : الفاضل الجواد في غاية المأمول (مخطوط) : الورقة ١٣٠.

(٤) المعالم : ٢٣٥.

(٥) الذريعة ٢ : ٨٣٠.

(٦) العدّة ٢ : ٧٥٦ ـ ٧٥٨.

(٧) الغنية (الجوامع الفقهيّة) : ٤٨٦.

إلاّ أنّ الذي يقتضيه التدبّر في بعض كلماتهم ـ مثل : إنكار السيّد (١) لاستصحاب البلد المبنيّ على ساحل البحر مع كون الشكّ فيه نظير الشكّ في وجود الرافع للحكم الشرعيّ ، وغير ذلك ممّا يظهر للمتأمّل ، ويقتضيه الجمع بين كلماتهم وبين ما يظهر من بعض استدلال المثبتين والنافين ـ : هو عموم النزاع لما ذكره المحقّق ، فما ذكره في المعارج (٢) أخيرا ليس رجوعا عمّا ذكره أوّلا ، بل لعلّه بيان لمورد تلك الأدلّة التي ذكرها لاعتبار الاستصحاب ، وأنّها لا تقتضي اعتبارا أزيد من مورد يكون الدليل فيه مقتضيا للحكم مطلقا ويشكّ في رافعه.

__________________

(١) الذريعة ٢ : ٨٣٣.

(٢) المعارج : ٢٠٩ ـ ٢١٠.

[تقسيم الاستصحاب باعتبار الشكّ المأخوذ فيه](١)

وأمّا باعتبار الشكّ في البقاء ، فمن وجوه أيضا :

أحدها :

منشأ الشكّ إمّا اشتباه الأمر الخارجي وإمّا اشتباه الحكم الشرعي

من جهة أنّ الشكّ قد ينشأ من اشتباه الأمر الخارجيّ ـ مثل : الشكّ في حدوث البول ، أو كون الحادث بولا أو وذيا ـ ويسمّى بالشبهة في الموضوع ، سواء كان المستصحب حكما شرعيّا جزئيّا كالطهارة في المثالين ، أم موضوعا كالرطوبة والكرّيّة ونقل اللفظ عن معناه الأصلي ، وشبه ذلك.

وقد ينشأ من اشتباه الحكم الشرعيّ الصادر من الشارع ، كالشكّ في بقاء نجاسة المتغيّر بعد زوال تغيّره ، وطهارة المكلّف بعد حدوث المذي منه ، ونحو ذلك.

دخول القسمين في محلّ النزاع

والظاهر دخول القسمين في محلّ النزاع ، كما يظهر من كلام المنكرين ؛ حيث ينكرون استصحاب حياة زيد بعد غيبته عن النظر ، والبلد المبنيّ على ساحل البحر ، ومن كلام المثبتين حيث يستدلّون يتوقّف نظام معاش الناس ومعادهم على الاستصحاب.

المحكي عن الأخباريين اختصاص النزاع بالشبهة الحكميّة

ويحكى عن الأخباريّين اختصاص الخلاف بالثاني ، وهو الذي صرّح به المحدّث البحراني (٢) ، ويظهر من كلام المحدّث الأسترابادي ،

__________________

(١) العنوان منّا.

(٢) انظر الحدائق ١ : ٥٢ و ١٤٣ ، والدرر النجفيّة : ٣٤.

حيث قال في فوائده :

كلام المحدّث الأسترابادي في الفوائد المدنية

اعلم أنّ للاستصحاب صورتين معتبرتين باتّفاق الامّة ، بل أقول : اعتبارهما من ضروريّات الدين.

إحداهما : أنّ الصحابة وغيرهم كانوا يستصحبون ما جاء به نبيّنا صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى أن يجيء ناسخه.

الثانية : أنّا نستصحب كلّ أمر من الامور الشرعيّة ـ مثل : كون الرجل مالك أرض ، وكونه زوج امرأة ، وكونه عبد رجل ، وكونه على وضوء ، وكون الثوب طاهرا أو نجسا ، وكون الليل أو النهار باقيا ، وكون ذمّة الإنسان مشغولة بصلاة أو طواف ـ إلى أن يقطع بوجود شيء جعله الشارع سببا لنقض تلك الامور (١). ثمّ ذلك الشيء قد يكون شهادة العدلين ، وقد يكون قول الحجّام المسلم أو من في حكمه ، وقد يكون قول القصّار أو من في حكمه ، وقد يكون بيع ما يحتاج إلى الذبح والغسل في سوق المسلمين ، وأشباه ذلك من الامور الحسّية (٢) ، انتهى.

ولو لا تمثيله باستصحاب الليل والنهار لاحتمل أن يكون معقد إجماعه الشكّ من حيث المانع وجودا أو منعا ، إلاّ أنّ الجامع بين جميع أمثلة الصورة الثانية ليس إلاّ الشبهة الموضوعيّة ، فكأنّه استثنى من محلّ الخلاف صورة واحدة من الشبهة الحكميّة ـ أعني الشكّ في النسخ ـ

__________________

(١) كذا في المصدر ، وفي «ص» : «سببا مزيلا لتلك الامور» ، وفي سائر النسخ : «سببا مزيلا لنقض تلك الامور» ، ولا يخفى ما فيه.

(٢) الفوائد المدنيّة : ١٤٣.

وجميع صور الشبهة الموضوعيّة.

كلامه في الفوائد المكية

وأصرح من العبارة المذكورة في اختصاص محلّ الخلاف بالشبهة الحكميّة ، ما حكي عنه في الفوائد (١) أنّه قال ـ في جملة كلام له ـ : إنّ صور الاستصحاب المختلف فيه راجعة إلى أنّه إذا ثبت حكم بخطاب شرعيّ في موضوع في حال من حالاته نجريه في ذلك الموضوع عند زوال الحالة القديمة وحدوث نقيضها فيه. ومن المعلوم أنّه إذا تبدّل قيد موضوع المسألة بنقيض ذلك القيد اختلف موضوع المسألتين ، فالذي سمّوه استصحابا راجع في الحقيقة إلى إسراء حكم لموضوع إلى موضوع آخر متّحد معه بالذات مختلف بالقيد والصفات (٢) ، انتهى.

الثاني :

الشكّ في البقاء قد يكون مع تساوي الطرفين وقد يكون مع رجحان البقاء أو الارتفاع

من حيث إنّ الشكّ بالمعنى الأعمّ الذي هو المأخوذ في تعريف الاستصحاب :

قد يكون مع تساوي الطرفين ، وقد يكون مع رجحان البقاء ، أو الارتفاع.

ولا إشكال في دخول الأوّلين في محلّ النزاع ، وأمّا الثالث فقد يتراءى من بعض كلماتهم عدم وقوع الخلاف فيه.

قال شارح المختصر : معنى استصحاب الحال أنّ الحكم الفلاني قد

__________________

(١) أي : الفوائد المكّية.

(٢) الفوائد المكّية (مخطوط) : الورقة ١٠٣ ، وحكاه عنه الفاضل التوني في الوافية : ٢١٢ ، وورد هذا المضمون في الفوائد المدنيّة : ١٤٣ ، أيضا.