درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۲۶: استصحاب ۲۶

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

تأييد المختار بالأخبار الخاصّة

وربما يؤيّد ذلك بالأخبار الواردة في الموارد الخاصّة :

١ ـ رواية عبد الله بن سنان

مثل : رواية عبد الله بن سنان ـ الواردة فيمن يعير ثوبه الذمّيّ ، وهو يعلم أنّه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير ـ : «قال : فهل عليّ أن أغسله؟ فقال عليه‌السلام : لا ؛ لأنّك أعرته إيّاه وهو طاهر ، ولم تستيقن أنّه نجّسه» (١).

تقريب الاستدلال

وفيها دلالة واضحة على أنّ وجه البناء على الطهارة وعدم وجوب غسله ، هو سبق طهارته وعدم العلم بارتفاعها ، ولو كان المستند قاعدة الطهارة لم يكن معنى لتعليل الحكم بسبق الطهارة ؛ إذ الحكم في القاعدة مستند إلى نفس عدم العلم بالطهارة والنجاسة.

نعم ، الرواية مختصّة باستصحاب الطهارة دون غيرها ، ولا يبعد عدم القول بالفصل بينها وبين غيرها ممّا يشكّ في ارتفاعها بالرافع.

٢ ـ موثّقة عمّار

ومثل : قوله عليه‌السلام في موثّقة عمّار : «كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر» (٢).

بناء على أنّه مسوق لبيان استمرار طهارة كلّ شيء إلى أن يعلم حدوث قذارته ، لا ثبوتها له ظاهرا واستمرار هذا الثبوت إلى أن يعلم عدمها.

فالغاية ـ وهي العلم بالقذارة ـ على الأوّل ، غاية للطهارة رافعة لاستمرارها ، فكلّ شيء محكوم ظاهرا باستمرار طهارته إلى حصول

__________________

(١) الوسائل ٢ : ١٠٩٥ ، الباب ٧٤ من أبواب النجاسات ، الحديث ١.

(٢) الوسائل ٢ : ١٠٥٤ ، الباب ٣٧ من أبواب النجاسات ، الحديث ٤ ، وفيه : «كلّ شيء نظيف ...».

العلم بالقذارة ، فغاية الحكم غير مذكورة ولا مقصودة.

وعلى الثاني ، غاية للحكم بثبوتها ، والغاية ـ وهي العلم بعدم الطهارة ـ رافعة للحكم ، فكلّ شيء يستمرّ الحكم بطهارته إلى كذا ، فإذا حصلت الغاية انقطع الحكم بطهارته ، لا نفسها.

والأصل في ذلك : أنّ القضيّة المغيّاة ـ سواء كانت إخبارا عن الواقع وكانت الغاية قيدا للمحمول ، كما في قولنا : الثوب طاهر إلى أن يلاقي نجسا ، أم كانت ظاهريّة مغيّاة بالعلم بعدم المحمول ، كما في ما نحن فيه ـ قد يقصد المتكلّم مجرّد ثبوت المحمول للموضوع ظاهرا أو واقعا ، من غير ملاحظة كونه مسبوقا بثبوته له ، وقد يقصد المتكلّم به مجرّد الاستمرار ، لا أصل الثبوت ، بحيث يكون أصل الثبوت مفروغا عنه. والأوّل أعمّ من الثاني من حيث المورد.

معنى الموثّقة إمّا الاستصحاب أو قاعدة الطهارة

إذا عرفت هذا فنقول : إنّ معنى الرواية :

إمّا أن يكون خصوص المعنى الثاني ، وهو القصد إلى بيان الاستمرار بعد الفراغ عن ثبوت أصل الطهارة ، فيكون دليلا على استصحاب الطهارة. لكنّه خلاف الظاهر.

وإمّا خصوص المعنى الأوّل الأعمّ منه ، وحينئذ لم يكن فيه دلالة على استصحاب الطهارة وإن شمل مورده ؛ لأنّ (١) الحكم فيما علم طهارته ولم يعلم طروّ القذارة له ليس من حيث سبق طهارته ، بل باعتبار مجرّد كونه مشكوك الطهارة ، فالرواية تفيد قاعدة الطهارة حتّى في مسبوق الطهارة ، لا استصحابها ، بل تجري في مسبوق النجاسة على أقوى

__________________

(١) في (ه) ، (ظ) و (ر) بدل «لأنّ» : «إلاّ أنّ».

الوجهين الآتيين في باب معارضة الاستصحاب للقاعدة.

ثمّ لا فرق في مفاد الرواية ، بين الموضوع الخارجي الذي يشكّ في طهارته من حيث الشبهة في حكم نوعه ، وبين الموضوع الخارجي المشكوك طهارته من حيث اشتباه الموضوع الخارجي.

فعلم ممّا ذكرنا : أنّه لا وجه لما ذكره صاحب القوانين : من امتناع إرادة المعاني الثلاثة من الرواية (١) ـ أعني : قاعدة الطهارة في الشبهة الحكميّة ، وفي الشبهة الموضوعيّة ، واستصحاب الطهارة ـ ؛ إذ لا مانع عن إرادة الجامع بين الأوّلين ، أعني : قاعدة الطهارة في الشبهة الحكميّة والموضوعيّة.

عدم إمكان إرادة القاعدة والاستصحاب معا من الموثّقة

نعم ، إرادة القاعدة والاستصحاب معا يوجب استعمال اللفظ في معنيين ؛ لما عرفت (٢) أنّ المقصود في القاعدة مجرّد إثبات الطهارة في المشكوك ، وفي الاستصحاب خصوص إبقائها في معلوم الطهارة سابقا ، والجامع بينهما غير موجود ، فيلزم ما ذكرنا. والفرق بينهما ظاهر ، نظير الفرق بين قاعدة البراءة واستصحابها ، ولا جامع بينهما (٣).

وقد خفي ذلك على بعض المعاصرين (٤) ، فزعم جواز إرادة القاعدة والاستصحاب معا ، وأنكر ذلك على صاحب القوانين فقال :

__________________

(١) القوانين ٢ : ٦٠.

(٢) في الصفحة السابقة.

(٣) في (ظ) بدل «فيلزم ـ إلى ـ ولا جامع بينهما» : «وقد تفطّن للزوم هذا الاستعمال صاحب القوانين».

(٤) هو صاحب الفصول.