درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۲۷: استصحاب ۲۷

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

الوجهين الآتيين في باب معارضة الاستصحاب للقاعدة.

ثمّ لا فرق في مفاد الرواية ، بين الموضوع الخارجي الذي يشكّ في طهارته من حيث الشبهة في حكم نوعه ، وبين الموضوع الخارجي المشكوك طهارته من حيث اشتباه الموضوع الخارجي.

فعلم ممّا ذكرنا : أنّه لا وجه لما ذكره صاحب القوانين : من امتناع إرادة المعاني الثلاثة من الرواية (١) ـ أعني : قاعدة الطهارة في الشبهة الحكميّة ، وفي الشبهة الموضوعيّة ، واستصحاب الطهارة ـ ؛ إذ لا مانع عن إرادة الجامع بين الأوّلين ، أعني : قاعدة الطهارة في الشبهة الحكميّة والموضوعيّة.

عدم إمكان إرادة القاعدة والاستصحاب معا من الموثّقة

نعم ، إرادة القاعدة والاستصحاب معا يوجب استعمال اللفظ في معنيين ؛ لما عرفت (٢) أنّ المقصود في القاعدة مجرّد إثبات الطهارة في المشكوك ، وفي الاستصحاب خصوص إبقائها في معلوم الطهارة سابقا ، والجامع بينهما غير موجود ، فيلزم ما ذكرنا. والفرق بينهما ظاهر ، نظير الفرق بين قاعدة البراءة واستصحابها ، ولا جامع بينهما (٣).

وقد خفي ذلك على بعض المعاصرين (٤) ، فزعم جواز إرادة القاعدة والاستصحاب معا ، وأنكر ذلك على صاحب القوانين فقال :

__________________

(١) القوانين ٢ : ٦٠.

(٢) في الصفحة السابقة.

(٣) في (ظ) بدل «فيلزم ـ إلى ـ ولا جامع بينهما» : «وقد تفطّن للزوم هذا الاستعمال صاحب القوانين».

(٤) هو صاحب الفصول.

كلام صاحب الفصول في جواز إرادة كليهما منها

إنّ الرواية تدلّ على أصلين :

أحدهما : أنّ الحكم الأوّلي للأشياء ظاهرا هي الطهارة مع عدم العلم بالنجاسة ، وهذا لا تعلّق له بمسألة الاستصحاب.

الثاني : أنّ هذا الحكم مستمرّ إلى زمن العلم بالنجاسة ، وهذا من موارد الاستصحاب وجزئيّاته (١) ، انتهى.

المناقشة فيما أفاده صاحب الفصول

أقول : ليت شعري ما المشار إليه بقوله : «هذا الحكم مستمرّ إلى زمن العلم بالنجاسة»؟

فإن كان هو الحكم المستفاد من الأصل الأوّلي ، فليس استمراره ظاهرا ولا واقعا مغيّا بزمان العلم بالنجاسة ، بل هو مستمرّ إلى زمن نسخ هذا الحكم في الشريعة ، مع أنّ قوله : «حتّى تعلم» إذا جعل من توابع الحكم الأوّل الذي هو الموضوع للحكم الثاني ، فمن أين يصير الثاني مغيّا به؟! إذ لا يعقل كون شيء في استعمال واحد غاية لحكم ولحكم آخر يكون الحكم الأوّل المغيّا موضوعا له.

وإن كان هو الحكم الواقعيّ المعلوم ـ يعني أنّ الطهارة إذا ثبتت واقعا في زمان ، فهو مستمرّ في الظاهر إلى زمن العلم بالنجاسة ـ فيكون الكلام مسوقا لبيان الاستمرار الظاهريّ فيما علم ثبوت الطهارة له واقعا في زمان ، فأين هذا من بيان قاعدة الطهارة من حيث هي للشيء المشكوك من حيث هو مشكوك؟!

ومنشأ الاشتباه في هذا المقام : ملاحظة عموم القاعدة لمورد الاستصحاب ، فيتخيّل أنّ الرواية تدلّ على الاستصحاب ، وقد عرفت (٢) :

__________________

(١) الفصول : ٣٧٣.

(٢) راجع الصفحة ٧٣.

أنّ دلالة الرواية على طهارة مستصحب الطهارة غير دلالتها على اعتبار استصحاب الطهارة ، وإلاّ فقد أشرنا (١) إلى أنّ القاعدة تشمل مستصحب النجاسة أيضا ، كما سيجيء.

ونظير ذلك ما صنعه صاحب الوافية ؛ حيث ذكر روايات «أصالة الحلّ» الواردة في مشتبه الحكم أو الموضوع في هذا المقام (٢).

ثمّ على هذا ، كان ينبغي ذكر أدلّة أصالة البراءة ؛ لأنّها أيضا متصادقة مع الاستصحاب من حيث المورد.

فالتحقيق : أنّ الاستصحاب ـ من حيث هو ـ مخالف للقواعد الثلاث : البراءة ، والحلّ ، والطهارة ، وإن تصادقت مواردها.

الظاهر إرادة القاعدة

فثبت من جميع ما ذكرنا : أنّ المتعيّن حمل الرواية المذكورة على أحد المعنيين ، والظاهر إرادة القاعدة ـ نظير قوله عليه‌السلام : «كلّ شيء لك حلال» (٣) ـ ؛ لأنّ حمله على الاستصحاب وحمل الكلام على إرادة خصوص الاستمرار فيما علم طهارته سابقا خلاف الظاهر ؛ إذ ظاهر الجملة الخبريّة إثبات أصل المحمول للموضوع ، لا إثبات استمراره في مورد الفراغ عن ثبوت أصله.

نعم ، قوله : «حتّى تعلم» يدلّ على استمرار المغيّا ، لكن المغيّا به الحكم بالطهارة ، يعني : هذا الحكم الظاهري مستمرّ له إلى كذا ، لا أنّ الطهارة الواقعيّة المفروغ عنها مستمرّة ظاهرا إلى زمن العلم.

__________________

(١) راجع الصفحة ٧٣.

(٢) الوافية : ٢٠٧.

(٣) الوسائل ١٧ : ٩١ ، الباب ٦١ من أبواب الأطعمة المباحة ، الحديث ٢.