درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۹۶: استصحاب ۹۶

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

ففي ما نحن فيه (١) ، إذا قال الشارع : «اعمل بالبيّنة في نجاسة ثوبك» ـ والمفروض أنّ الشكّ موجود مع قيام البيّنة على نجاسة الثوب ـ فإنّ الشارع حكم في دليل وجوب العمل بالبيّنة ، برفع اليد عن آثار الاحتمال المخالف للبيّنة ، التي منها استصحاب الطهارة (٢).

احتمال أن يكون العمل بالأدلّة في مقابل الاستصحاب من باب التخصّص

وربما يجعل العمل بالأدلّة في مقابل الاستصحاب من باب التخصّص (٣) ؛ بناء على أنّ المراد من «الشكّ» عدم الدليل والطريق ، والتحيّر في العمل ، ومع قيام الدليل الاجتهاديّ لا حيرة. وإن شئت قلت (٤) : إنّ المفروض دليلا قطعيّ الاعتبار ؛ فنقض الحالة السابقة به نقض باليقين.

ضعف هذا الاحتمال

وفيه : أنّه لا يرتفع التحيّر ولا يصير الدليل الاجتهاديّ قطعيّ الاعتبار في خصوص مورد الاستصحاب إلاّ بعد إثبات كون مؤدّاه حاكما على مؤدّى الاستصحاب ، وإلاّ أمكن أن يقال : إنّ مؤدّى الاستصحاب وجوب العمل على الحالة السابقة مع عدم اليقين بارتفاعها ،

__________________

(١) لم ترد «وسيجيء ـ إلى ـ ما نحن فيه» في (ظ).

(٢) وردت في (ظ) بدل عبارة «حكم في ـ إلى ـ الطهارة» ما يلي : «جعل الاحتمال المطابق للبيّنة بمنزلة اليقين الذي ينتقض به اليقين السابق ، وجعل أيضا الاحتمال المخالف للبيّنة كالمعدوم ، فكأنّه لا شكّ حتّى يرجع فيه إلى الاستصحاب ، فكأنّه قال : لا يحكم على هذا الشكّ بحكمه المقرّر في قاعدة الاستصحاب ، وافرضه كالعدم».

(٣) كذا في (ت) و (ه) ، وفي غيره : «التخصيص».

(٤) في (ت) و (ه) زيادة : «المراد به عدم اليقين الظاهري فإنّ ...» ، لكن في (ت) بدل «الظاهري» : «الظاهر».

سواء كان هناك الأمارة الفلانيّة أم لا ، ومؤدّى دليل تلك الأمارة وجوب العمل بمؤدّاه (١) ، خالف الحالة السابقة أم لا.

ولا يندفع مغالطة هذا الكلام ، إلاّ بما ذكرنا من طريق الحكومة ، كما لا يخفى.

المسامحة فيما جعله الفاضل التوني من شرائط الاستصحاب

وكيف كان ، فجعل بعضهم (٢) عدم الدليل الاجتهادي على خلاف الحالة السابقة من شرائط العمل بالاستصحاب ، لا يخلو عن مسامحة ؛ لأنّ مرجع ذلك بظاهره إلى عدم المعارض لعموم «لا تنقض» ، كما في مسألة البناء على الأكثر ، لكنّه ليس مراد هذا المشترط قطعا ، بل مراده عدم الدليل على ارتفاع الحالة السابقة.

ما أورده المحقّق القمّي على الفاضل التوني والمناقشة فيه

ولعلّ (٣) ما أورده عليه المحقّق القمي قدس‌سره ـ من أنّ الاستصحاب أيضا أحد الأدلّة ، فقد يرجّح عليه الدليل ، وقد يرجّح على الدليل ، وقد لا يرجّح أحدهما على الآخر ، قال قدس‌سره : ولذا ذكر بعضهم (٤) في مال المفقود : أنّه في حكم ماله حتّى يحصل العلم العادي بموته ؛ استصحابا لحياته (٥) ، مع وجود الروايات المعتبرة (٦) المعمول بها عند بعضهم ، بل

__________________

(١) كذا في النسخ ، والمناسب : «بمؤدّاها» ، لرجوع الضمير إلى «الأمارة».

(٢) هو الفاضل التوني في الوافية : ٢٠٨.

(٣) لم ترد «لأنّ مرجع ـ إلى ـ ولعلّ» في (ظ) ، وورد بدلها : «وإن أمكن توجيهه بما يرجع إلى ما ذكرنا ، وأمّا ما أورده ...».

(٤) في المصدر : «جمهور المتأخّرين».

(٥) انظر مفتاح الكرامة ٨ : ٩٢.

(٦) الوسائل ١٧ : ٥٨٣ و ٥٨٥ ، الباب ٦ من أبواب ميراث الخنثى ، الحديث ٥ و ٩.

عند جمع من المحقّقين (١) ، الدالّة على وجوب الفحص أربع سنين (٢) ـ مبنيّ على ظاهر كلامه : من إرادة العمل بعموم «لا تنقض».

وأمّا على ما جزمنا به (٣) ـ من أنّ مراده عدم ما يدلّ علما أو ظنّا على ارتفاع الحالة السابقة ـ فلا وجه لورود ذلك (٤) ؛ لأنّ الاستصحاب إن اخذ من باب التعبّد ، فقد عرفت (٥) حكومة أدلّة جميع الأمارات الاجتهاديّة على دليله ، وإن اخذ من باب الظنّ ، فالظاهر أنّه لا تأمّل لأحد في أنّ المأخوذ في إفادته للظنّ عدم وجود أمارة في مورده على خلافه ؛ ولذا ذكر العضديّ في دليله (٦) : أنّ ما كان سابقا ولم يظنّ عدمه فهو مظنون البقاء (٧).

__________________

(١) انظر مفتاح الكرامة ٨ : ٩٢.

(٢) القوانين ٢ : ٧٥.

(٣) في الصفحة السابقة.

(٤) لم ترد «مبنيّ على ـ إلى ـ لورود ذلك» في (ظ) ، وورد بدلها : «فلا يعرف له وجه ورود ولذلك».

(٥) راجع الصفحة ٣١٤.

(٦) شرح مختصر الاصول ٢ : ٤٥٣.

(٧) لم ترد «ولذا ذكر ـ إلى ـ مظنون البقاء» في (ر) ، وكتب عليها في (ص) : «نسخة بدل».

وفي (ت) ، (ه) وحاشيتي (ص) و (ظ) زيادة : «ونظيره في الأمارات الاجتهادية (الغلبة) فإنّ إلحاق الشيء بالأعمّ الأغلب إنّما يكون غالبا إذا لم تكن أمارة في موردها على الخلاف ، لكنّها أيضا واردة على الاستصحاب ، كما يعرف بالوجدان عند المتتبّع في الشرعيّات والعرفيّات».

ولما ذكرنا لم نر أحدا من العلماء قدّم الاستصحاب على أمارة مخالفة له مع اعترافه بحجّيّتها لو لا الاستصحاب ، لا في الأحكام ولا في الموضوعات.

وأمّا ما استشهد به قدس‌سره ـ من عمل بعض الأصحاب بالاستصحاب في مال المفقود ، وطرح ما دلّ على وجوب الفحص أربع سنين والحكم بموته بعده ـ فلا دخل له بما نحن فيه ؛ لأنّ تلك الأخبار ليست أدلّة في مقابل استصحاب حياة المفقود ، وإنّما المقابل له قيام دليل معتبر (١) على موته ، وهذه الأخبار على تقدير تماميّتها مخصّصة لعموم أدلّة الاستصحاب ، دالّة على وجوب البناء على موت المفقود (٢) بعد الفحص ، نظير ما دلّ على وجوب البناء على الأكثر مع الشكّ في عدد الركعات ، فمن عمل بها خصّص بها عمومات الاستصحاب ، ومن طرحها ـ لقصور فيها ـ بقي أدلّة الاستصحاب عنده على عمومها.

المراد من «الأدلّة الاجتهاديّة» و «الاصول»

ثمّ المراد بالدليل الاجتهاديّ : كلّ أمارة اعتبرها الشارع من حيث إنّها تحكي عن الواقع وتكشف عنه بالقوّة ، وتسمّى في نفس الأحكام «أدلّة اجتهاديّة» وفي الموضوعات «أمارات معتبرة» ، فما كان ممّا نصبه الشارع غير ناظر إلى الواقع ، أو كان ناظرا لكن فرض أنّ الشارع اعتبره لا من هذه الحيثيّة ، بل من حيث مجرّد احتمال مطابقته للواقع ، فليس اجتهاديّا ، بل (٣) هو من الاصول ، وإن كان مقدّما على

__________________

(١) في نسخة بدل (ص) زيادة : «كالبيّنة».

(٢) لم ترد «وإنّما المقابل ـ إلى ـ موت المفقود» في (ظ).

(٣) في غير (ص) بدل «بل» : «و».