درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۱۰۹: تعارض استصحاب ۱۲

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

تمسّك لهذا الأصل بالغلبة.

بل ويمكن إسناد هذا القول إلى كلّ من استند في هذا الأصل إلى ظاهر حال المسلم ، كالعلاّمة (١) وجماعة ممّن تأخّر عنه (٢) ، فإنّه لا يشمل إلاّ (٣) صورة اعتقاد الصحّة ، خصوصا إذا كان قد أمضاه الشارع لاجتهاد أو تقليد أو قيام بيّنة أو غير ذلك.

والمسألة محلّ إشكال :

من إطلاق الأصحاب ، ومن عدم مساعدة أدلّتهم ؛ فإنّ العمدة الإجماع ولزوم الاختلال ، والإجماع الفتوائيّ مع ما عرفت مشكل ، والعمليّ في مورد العلم باعتقاد الفاعل للصحّة أيضا مشكل ، والاختلال يندفع بالحمل على الصحّة في غير المورد المذكور.

صور المسألة

وتفصيل المسألة : أنّ الشاكّ في الفعل الصادر من غيره :

إمّا أن يكون عالما بعلم الفاعل بصحيح الفعل وفاسده ، وإمّا أن يكون عالما بجهله وعدم علمه ، وإمّا أن يكون جاهلا بحاله.

١ ـ أن يعلم كون الفاعل عالما بالصحّة والفساد

فإن علم بعلمه بالصحيح والفاسد : فإمّا أن يعلم بمطابقة اعتقاده لاعتقاد الشاكّ ، أو يعلم مخالفته ، أو يجهل الحال.

لا إشكال في الحمل في الصورة الاولى.

وأمّا الثانية ، فإن لم يتصادق اعتقادهما بالصحّة في فعل ـ كأن

__________________

(١) التذكرة (الطبعة الحجرية) ٢ : ٢١٨ و ٤٨٣.

(٢) كالشهيدين قدس‌سرهما في الدروس ١ : ٣٢ ، والقواعد والفوائد ١ : ١٣٨ ، وتمهيد القواعد : ٣١٢ ، والمسالك ١ : ٢٣٩ و ٦ : ١٧٤ ، والمحقّق الثاني في جامع المقاصد ٥ : ١١٩ و ١٠ : ١٣٥ ، و ١٢ : ٤٦٣.

(٣) «إلاّ» من (ه).

اعتقد أحدهما وجوب الجهر بالقراءة يوم الجمعة ، والآخر وجوب الإخفات ـ فلا إشكال في وجوب الحمل على الصحيح باعتقاد الفاعل.

وإن تصادق ـ كمثال العقد بالعربيّة والفارسيّة ـ فإن قلنا : إنّ العقد بالفارسيّة منه سبب لترتّب الآثار عليه من كلّ أحد حتّى المعتقد بفساده ، فلا ثمرة في الحمل على معتقد الحامل أو الفاعل ، وإن قلنا بالعدم ـ كما هو الأقوى ـ ففيه الإشكال المتقدّم : من تعميم الأصحاب في فتاويهم وفي بعض معاقد إجماعاتهم على تقديم قول مدّعي الصحّة ، ومن اختصاص الأدلّة بغير هذه الصورة.

وإن جهل الحال ، فالظاهر الحمل لجريان الأدلّة ، بل يمكن جريان الحمل على الصحّة في اعتقاده ، فيحمل على كونه مطابقا لاعتقاد الحامل ؛ لأنّه الصحيح ، وسيجيء (١) الكلام فيه (٢).

٢ ـ أن يعلم كونه جاهلا

وإن كان عالما بجهله بالحال وعدم علمه بالصحيح والفاسد ، ففيه أيضا الاشكال المتقدّم ، خصوصا إذا كان جهله مجامعا لتكليفه بالاجتناب ، كما إذا علمنا أنّه أقدم على بيع أحد المشتبهين بالنجس ، إلاّ أنّه يحتمل أن يكون قد اتّفق المبيع غير نجس.

وكذا إن كان جاهلا بحاله. إلاّ أنّ الإشكال في بعض هذه الصور أهون منه في بعض ، فلا بدّ من التتبّع والتأمّل.

__________________

(١) انظر الصفحة ٣٨٣.

(٢) لم ترد «وسيجيء الكلام فيه» في (ر).

الثاني

هل يعتبر في جريان أصالة الصحّة في العقود استكمال أركان العقد؟

أنّ الظاهر من المحقّق الثاني أنّ أصالة الصحّة إنّما تجري في العقود بعد استكمال العقد للأركان.

قال في جامع المقاصد ، فيما لو اختلف الضامن والمضمون له ، فقال الضامن : ضمنت وأنا صبيّ ـ بعد ما رجّح تقديم قول الضامن ـ ما هذا لفظه :

كلام المحقق الثاني في باب الضمان

فإن قلت : للمضمون له أصالة الصحّة في العقود ، وظاهر حال العاقد الآخر أنّه لا يتصرّف باطلا.

قلنا : إنّ الأصل في العقود الصحّة بعد استكمال أركانها ليتحقّق وجود العقد ، أمّا قبله فلا وجود له ، فلو اختلفا في كون المعقود عليه هو الحرّ أو العبد ، حلف منكر وقوع العقد على العبد ، وكذا الظاهر إنّما يتمّ مع الاستكمال المذكور ، لا مطلقا (١) ، انتهى.

كلامه قدس‌سره في باب الاجارة

وقال في باب الإجارة ، ما هذا لفظه :

لا شكّ في أنّه إذا حصل الاتفاق على حصول جميع الامور

__________________

(١) جامع المقاصد ٥ : ٣١٥.

المعتبرة في العقد ـ من حصول الإيجاب والقبول من الكاملين ، وجريانهما على العوضين المعتبرين ـ ووقع الاختلاف في شرط مفسد ، فالقول قول مدّعي الصحّة بيمينه ؛ لأنّه الموافق للأصل ؛ لأنّ الأصل عدم ذلك المفسد ، والأصل في فعل المسلم الصحّة.

أمّا إذا حصل الشك (١) في الصحّة والفساد في بعض الامور المعتبرة وعدمه ، فإنّ الأصل (٢) لا يثمر هنا ؛ فإنّ الأصل عدم السبب الناقل.

ومن ذلك ما لو ادّعى أنّي اشتريت العبد فقال بعتك الحرّ (٣) ، انتهى.

كلام العلاّمة ; في القواعد

ويظهر هذا من بعض كلمات العلاّمة ; ، قال في القواعد :

لا يصحّ ضمان الصبيّ ولو أذن له الوليّ ، فإن اختلفا قدّم قول الضامن ؛ لأصالة براءة الذمّة وعدم البلوغ ، وليس لمدّعي الصحّة (٤) أصل يستند إليه ، ولا ظاهر يرجع إليه. بخلاف ما لو ادّعى شرطا فاسدا ؛ لأنّ الظاهر أنّهما لا يتصرّفان باطلا ، وكذا البحث في من عرف له حالة جنون (٥) ، انتهى.

كلامه في التذكرة :

وقال في التذكرة :

لو ادّعى المضمون له : أنّ الضامن ضمن بعد البلوغ ، وقال الضامن : بل ضمنت لك قبله. فإن عيّنا له وقتا لا يحتمل بلوغه فيه

__________________

(١) في المصدر بدل «الشك» : «الاختلاف».

(٢) في المصدر بدل «الأصل» : «هذا الاستدلال».

(٣) جامع المقاصد ٧ : ٣٠٧ و ٣٠٨.

(٤) في المصدر بدل «الصحّة» : «الأهليّة».

(٥) قواعد الأحكام ٢ : ١٥٦.

قدّم قول الصبيّ ـ إلى أن قال ـ : وإن لم يعيّنا وقتا ، فالقول قول الضامن بيمينه ، وبه قال الشافعيّ ؛ لأصالة عدم البلوغ. وقال أحمد : القول قول المضمون له ؛ لأنّ الأصل صحّة الفعل (١) وسلامته ، كما لو اختلفا في شرط مبطل. والفرق : أنّ المختلفين في الشرط المفسد يقدّم فيه قول مدّعي الصحّة ؛ لاتفاقهما على أهليّة التصرّف ؛ إذ (٢) من له أهليّة التصرّف لا يتصرّف إلاّ تصرّفا صحيحا ، فكان القول قول مدّعي الصحّة ؛ لأنّه مدّع للظاهر ، وهنا اختلفا في أهليّة التصرّف ، فليس مع من يدّعي الأهليّة ظاهر يستند إليه ولا أصل يرجع إليه. وكذا لو ادّعى أنّه ضمن بعد البلوغ وقبل الرشد (٣) ، انتهى موضع الحاجة.

لكن لم يعلم الفرق بين دعوى الضامن الصغر وبين دعوى البائع إيّاه ، حيث صرّح العلاّمة والمحقّق الثاني بجريان أصالة الصحّة ، وإن اختلفا بين من (٤) عارضها بأصالة عدم البلوغ ، وبين من (٥) ضعّف هذه المعارضة.

وقد حكي عن قطب الدين (٦) : أنّه اعترض على شيخه العلاّمة في

__________________

(١) في المصدر بدل «الفعل» : «العقد».

(٢) في المصدر بدل «إذ» : «والظاهر أنّ».

(٣) التذكرة (الطبعة الحجرية) ٢ : ٨٧.

(٤) وهو العلاّمة ، انظر قواعد الأحكام ٢ : ٩٧.

(٥) وهو المحقّق الثاني ، انظر جامع المقاصد ٤ : ٤٥٢.

(٦) حكاه الشهيد عن القطب ، كما في مفتاح الكرامة ٥ : ٣٦١ ، ولم نقف عليه في كتب الشهيد.