درس فرائد الاصول - استصحاب

جلسه ۱۲۳: تعارض استصحاب ۲۶

جواد مروی
استاد
جواد مروی
 

المثال ، فاختصّ الاستصحاب المفيد للظنّ بما كان الشكّ فيه غير تابع لشكّ آخر يوجب الظنّ ، فافهم ؛ فإنّه لا يخلو عن دقّة.

ويشهد لما ذكرنا : أنّ العقلاء البانين على الاستصحاب في امور معاشهم ، بل معادهم لا يلتفتون في تلك المقامات إلى هذا الاستصحاب أبدا ، ولو نبّههم أحد لم يعتنوا ، فيعزلون حصّة الغائب من الميراث ، ويصحّحون معاملة وكلائه ، ويؤدّون عنه فطرته إذا كان عيالهم ، إلى غير ذلك من موارد ترتيب الآثار الحادثة على المستصحب.

ظهور الخلاف في المسألة عن جماعة

ثمّ إنّه يظهر الخلاف في المسألة من جماعة ، منهم : الشيخ ، والمحقّق ، والعلاّمة في بعض أقواله ، وجماعة من متأخّري المتأخّرين (١).

فقد ذهب الشيخ في المبسوط إلى عدم وجوب فطرة العبد إذا لم يعلم خبره (٢).

واستحسنه المحقّق في المعتبر (٣) ، مجيبا عن الاستدلال للوجوب بأصالة البقاء ، بأنّها معارضة بأصالة عدم الوجوب ، وعن تنظير وجوب الفطرة عنه بجواز عتقه في الكفّارة ، بالمنع عن الأصل تارة ، والفرق بينهما اخرى.

وقد صرّح في اصول المعتبر (٤) بأنّ استصحاب الطهارة عند الشكّ في الحدث معارض باستصحاب عدم براءة الذمّة بالصلاة بالطهارة

__________________

(١) سيأتي ذكرهم في الصفحة ٤٠٣ ـ ٤٠٤.

(٢) المبسوط ١ : ٢٣٩.

(٣) المعتبر ٢ : ٥٩٨.

(٤) المعتبر ١ : ٣٢.

المستصحبة. وقد عرفت (١) أنّ المنصوص في صحيحة زرارة العمل باستصحاب الطهارة على وجه يظهر منه خلوّه عن المعارض ، وعدم جريان استصحاب الاشتغال.

وحكي عن العلاّمة ـ في بعض كتبه (٢) ـ الحكم بطهارة الماء القليل الواقع فيه صيد مرميّ لم يعلم استناد موته إلى الرمي ، لكنّه اختار في غير واحد من كتبه (٣) الحكم بنجاسة الماء ، وتبعه عليه الشهيدان (٤) وغيرهما (٥). وهو المختار ؛ بناء على ما عرفت تحقيقه (٦) ، وأنّه إذا ثبت بأصالة عدم التذكية موت الصيد جرى عليه جميع أحكام الميتة التي منها انفعال الماء الملاقي له.

نعم ربما قيل (٧) : إنّ تحريم الصيد إن كان لعدم العلم بالتذكية فلا يوجب تنجيس الملاقي ، وإن كان للحكم عليه شرعا بعدمها اتّجه الحكم بالتنجيس.

ومرجع الأوّل إلى كون حرمة الصيد مع الشكّ في التذكية للتعبّد ؛

__________________

(١) راجع الصفحة ٥٨١.

(٢) انظر التحرير : ٦ ، وحكاه عنه في مفتاح الكرامة ١ : ١٣٣.

(٣) انظر قواعد الأحكام ١ : ١٩٠ ، ونهاية الإحكام ١ : ٢٥٦ ، والمنتهى ١ : ١٧٣.

(٤) انظر الذكرى ١ : ١٠٦ ، والبيان : ١٠٣ ، وتمهيد القواعد : ٢٨٩ ـ ٢٩٠.

(٥) مثل فخر الدين في الإيضاح ١ : ٢٥ ، والفاضل الهندي في كشف اللثام ١ : ٣٧٩.

(٦) من تقدّم الاستصحاب في الشكّ السببيّ ، راجع الصفحة ٣٩٤.

(٧) القائل هو المحقّق الثاني في جامع المقاصد ١ : ١٥٦.

من جهة الأخبار المعلّلة (١) لحرمة أكل الميتة بعدم العلم بالتذكية (٢). وهو حسن لو لم يترتّب عليه من أحكام الميتة إلاّ حرمة الأكل ، ولا أظنّ أحدا يلتزمه ، مع أنّ المستفاد من حرمة الأكل كونها ميتة ، لا التحريم تعبّدا ؛ ولذا استفيد بعض ما يعتبر في التذكية من النهي عن الأكل بدونه (٣).

تصريح بعضهم بالجمع بين الاستصحابين «السببي والمسبّبي»

ثمّ إنّ بعض من يرى التعارض بين الاستصحابين في المقام (٤) صرّح بالجمع بينهما ، فحكم في مسألة الصيد بكونه ميتة والماء طاهرا.

عدم صحّة الجمع

ويرد عليه : أنّه لا وجه (٥) للجمع في مثل هذين الاستصحابين ؛ فإنّ الحكم بطهارة الماء إن كان بمعنى ترتيب آثار الطهارة من رفع الحدث والخبث به ، فلا ريب أنّ نسبة استصحاب بقاء الحدث والخبث إلى استصحاب طهارة الماء ، بعينها نسبة استصحاب طهارة الماء إلى استصحاب عدم التذكية. وكذا الحكم بموت الصيد ، فإنّه إن كان بمعنى انفعال الملاقي له بعد ذلك والمنع عن استصحابه في الصلاة ، فلا ريب أنّ استصحاب طهارة الملاقي واستصحاب جواز الصلاة معه قبل زهاق

__________________

(١) انظر الوسائل ١٦ : ٢١٥ ، الباب ٥ من أبواب الصيد ، الحديث ٢.

(٢) كذا في (ت) ، وفي غيره : «بتذكيته».

(٣) كالتسمية ، لما ورد من النهي عن الأكل ممّا لم يذكر اسم الله عليه في سورة الأنعام : ١٢١.

(٤) كالعلاّمة في بعض كتبه كما تقدّم ، والمحقق الثاني في جامع المقاصد ١ : ١٥٦ ، والسيد الصدر في شرح الوافية (مخطوط) : ٣٦٥ ـ ٣٦٦.

(٥) في (ر) ، (ظ) ونسخة بدل (ص): «لا معنى».