درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۱۲۴: اجماع منقول ۱۷

 

أو (١) الشجاعة عادة.

وقد أشار إلى الوجهين بعض السادة الأجلّة (٢) في شرحه على الوافية ؛ فإنّه قدس‌سره لمّا اعترض على نفسه : بأنّ المعتبر من الأخبار ما استند إلى إحدى الحواسّ ، والمخبر بالإجماع إنّما رجع إلى بذل الجهد ، ومجرّد الشكّ في دخول مثل ذلك في الخبر يقتضي منعه ، أجاب عن ذلك :

بأنّ المخبر هنا ـ أيضا ـ يرجع إلى السمع فيما يخبر عن العلماء وإن جاء العلم بمقالة المعصوم من مراعاة أمر آخر ، كوجوب اللطف وغيره.

ثمّ أورد : بأنّ المدار في حجّية الإجماع على مقالة المعصوم عليه‌السلام ، فالإخبار إنّما هو بها ، ولا يرجع إلى سمع.

فأجاب عن ذلك :

أوّلا : بأنّ مدار الحجّية وإن كان ذلك ، لكن استلزام اتّفاق كلمة العلماء لمقالة المعصوم عليه‌السلام معلوم لكلّ أحد لا يحتاج فيه إلى النقل ، وإنّما الغرض من النقل ثبوت الاتّفاق ، فبعد اعتبار خبر الناقل ـ لوثاقته ورجوعه في حكاية الاتّفاق إلى الحسّ ـ كان الاتّفاق معلوما ، ومتى ثبت ذلك كشف عن مقالة المعصوم ؛ للملازمة المعلومة.

وثانيا : أنّ الرجوع في حكاية الإجماع إلى نقل مقالة المعصوم عليه‌السلام لرجوع الناقل في ذلك إلى الحسّ ؛ باعتبار أنّ الاتّفاق من آثارها ، ولا كلام في اعتبار مثل ذلك ، كما في الإخبار بالإيمان والفسق

__________________

(١) في (ت) ، (ر) ، (ص) و (ه) بدل «أو» : «و».

(٢) هو السيّد المحقّق الكاظمي المعروف بالسيّد الأعرجي.

والشجاعة والكرم وغيرها من الملكات ، وإنّما لا يرجع إلى الأخبار في العقليّات المحضة ، فإنّه لا يعوّل عليها وإن جاء بها ألف من الثقات حتّى يدرك مثل ما أدركوا.

ثمّ اورد على ذلك : بأنّه يلزم من ذلك الرجوع إلى المجتهد ؛ لأنّه وإن لم يرجع إلى الحسّ في نفس الأحكام إلاّ أنّه رجع في لوازمها وآثارها إليه ، وهي أدلّتها السمعيّة ، فيكون رواية ، فلم لا يقبل إذا جاء به الثقة.

وأجاب : بأنّه إنّما يكفي الرجوع إلى الحسّ في الآثار إذا كانت الآثار مستلزمة له عادة ، وبالجملة إذا أفادت اليقين ، كما في آثار الملكات وآثار مقالة الرئيس وهي مقالة رعيّته ، وهذا بخلاف ما يستنهضه المجتهد من الدليل على الحكم.

ثمّ قال : على أنّ التحقيق في الجواب عن السؤال الأوّل هو الوجه الأوّل ، وعليه فلا أثر لهذا السؤال (١) ، انتهى.

قلت : إنّ الظاهر من الإجماع اتّفاق أهل عصر واحد ، لا جميع الأعصار كما يظهر من تعاريفهم وسائر كلماتهم ، ومن المعلوم أنّ إجماع أهل عصر واحد ـ مع قطع النظر عن موافقة أهالي الأعصار المتقدّمة ومخالفتهم ـ لا يوجب عن طريق الحدس العلم الضروريّ بصدور الحكم عن الإمام عليه‌السلام ؛ ولذا قد يتخلّف ؛ لاحتمال مخالفة من تقدّم عليهم أو أكثرهم. نعم يفيد العلم من باب وجوب اللطف الذي لا نقول بجريانه في المقام ، كما قرّر في محلّه (٢).

__________________

(١) الوافي في شرح الوافية (مخطوط) : الورقة ١٥٠.

(٢) انظر القوانين ١ : ٣٥٣ ، والفصول : ٢٤٥ ـ ٢٤٦.

مع أنّ علماء العصر إذا كثروا ـ كما في الأعصار السابقة ـ يتعذّر أو يتعسّر الاطّلاع عليهم حسّا بحيث يقطع بعدم من سواهم في العصر ، إلاّ إذا كان العلماء في عصر قليلين يمكن الإحاطة برأيهم في المسألة فيدّعى الإجماع ، إلاّ أنّ مثل هذا الأمر المحسوس لا يستلزم عادة لموافقة المعصوم عليه‌السلام.

فالمحسوس المستلزم عادة لقول الإمام عليه‌السلام مستحيل التحقّق للناقل ، والممكن المتحقّق له غير مستلزم عادة.

محامل دعوى إجماع الكلّ

وكيف كان : فإذا ادّعى الناقل الإجماع خصوصا إذا كان ظاهره اتّفاق جميع علماء الأعصار أو أكثرهم إلاّ من شذّ ـ كما هو الغالب في إجماعات مثل الفاضلين والشهيدين ـ انحصر محمله في وجوه :

١- أن يراد اتّفاق المعروفين

أحدها : أن يراد به اتّفاق المعروفين بالفتوى ، دون كل قابل للفتوى من أهل عصره أو مطلقا.

٢- أن يستفاد إجماع الكلّ من اتّفاق المعروفين

الثاني : أن يريد إجماع الكلّ ، ويستفيد ذلك من اتّفاق المعروفين من أهل عصره.

وهذه الاستفادة ليست ضروريّة وإن كانت قد تحصل ؛ لأنّ اتّفاق أهل عصره ـ فضلا عن المعروفين منهم ـ لا يستلزم عادة اتّفاق غيرهم ومن قبلهم ، خصوصا بعد ملاحظة التخلّف في كثير من الموارد لا يسع هذه الرسالة لذكر معشارها. ولو فرض حصوله للمخبر كان من باب الحدس الحاصل عمّا لا يوجب العلم عادة. نعم هي (١) أمارة ظنّية على ذلك ؛ لأنّ الغالب في الاتّفاقيّات عند أهل عصر كونه من الاتّفاقيّات

__________________

(١) في (ه) : «هو».