درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۱۹۹: خبر واحد ۵۱

 

ومن صار إليه لا يحسن مكالمته ؛ لأنّه يكون معوّلا على ما يعلم ضرورة من الشرع خلافه ، انتهى.

ثمّ أخذ في الاستدلال ـ ثانيا ـ على جواز العمل بهذه الأخبار : بأنّا وجدنا أصحابنا مختلفين في المسائل الكثيرة في جميع أبواب الفقه ، وكلّ منهم يستدلّ ببعض هذه الأخبار ، ولم يعهد من أحد منهم تفسيق صاحبه وقطع المودّة عنه ، فدلّ ذلك على جوازه عندهم.

ثمّ استدلّ ـ ثالثا ـ على ذلك : بأنّ الطائفة وضعت الكتب لتمييز الرجال الناقلين لهذه الأخبار وبيان أحوالهم من حيث العدالة والفسق ، والموافقة في المذهب والمخالفة ، وبيان من يعتمد على حديثه ومن لا يعتمد ، واستثنوا الرجال من جملة ما رووه في التصانيف ، وهذه عادتهم من قديم الوقت إلى حديثه ، فلو لا جواز العمل برواية من سلم عن الطعن لم يكن فائدة لذلك كلّه (١) ، انتهى المقصود من كلامه ، زاد الله في علوّ مقامه.

وقد أتى في الاستدلال على هذا المطلب بما لا مزيد عليه ، حتّى أنّه أشار في جملة (٢) كلامه إلى دليل الانسداد ، وأنّه لو اقتصر على الأدلّة العلميّة وعمل بأصل البراءة في غيرها ، لزم ما علم ضرورة من الشرع خلافه ، فشكر الله سعيه.

ثمّ إنّ من العجب أن غير واحد من المتأخّرين (٣) تبعوا صاحب

__________________

(١) العدّة ١ : ١٢٩ ـ ١٤٢.

(٢) في (ص) و (م) زيادة : «من».

(٣) سيأتي ذكرهم في الصفحة ٣٢١.

المعالم في دعوى عدم دلالة كلام الشيخ على حجّيّة الأخبار المجرّدة عن القرينة ، قال في المعالم على ما حكي عنه :

والإنصاف : أنّه لم يتّضح من حال الشيخ وأمثاله مخالفتهم للسيّد قدس‌سره ؛ إذ كانت أخبار الأصحاب يومئذ قريبة العهد بزمان لقاء المعصوم عليه‌السلام واستفادة الأحكام منه (١) ، وكانت القرائن المعاضدة لها متيسّرة كما أشار إليه السيّد قدس‌سره ، ولم يعلم أنّهم اعتمدوا على الخبر المجرّد ليظهر مخالفتهم لرأيه فيه. وتفطّن المحقّق من كلام الشيخ لما قلناه ، حيث قال في المعارج :

ذهب شيخنا أبو جعفر قدس‌سره إلى العمل بخبر الواحد العدل من رواة أصحابنا ، لكن لفظه وإن كان مطلقا فعند التحقيق يتبيّن : أنّه لا يعمل بالخبر مطلقا ، بل بهذه الأخبار التي رويت عن الأئمّة عليهم‌السلام ودوّنها الأصحاب ، لا أنّ كلّ خبر يرويه عدل إماميّ يجب العمل به ، هذا هو الذي تبيّن لي من كلامه. ويدعي إجماع الأصحاب على العمل بهذه الأخبار ، حتّى لو رواها غير الإماميّ وكان الخبر سليما عن المعارض واشتهر نقله في هذه الكتب الدائرة بين الأصحاب ، عمل به (٢) ، انتهى.

قال بعد نقل هذا عن المحقّق : وما فهمه المحقّق من كلام الشيخ هو الذي ينبغي أن يعتمد عليه ، لا ما نسبه العلاّمة إليه (٣) ، انتهى كلام صاحب المعالم.

__________________

(١) في غير (ص) والمصدر : «منهم».

(٢) المعارج : ١٤٧.

(٣) المعالم : ١٩٧ ـ ١٩٨.

المناقشة فيما ذكره صاحب العالم

وأنت خبير : بأنّ ما ذكره في وجه الجمع ـ من تيسّر القرائن وعدم اعتمادهم على الخبر المجرّد ـ قد صرّح الشيخ في عبارته المتقدّمة (١) ببداهة بطلانه ؛ حيث قال : إنّ دعوى القرائن في جميع ذلك دعوى محالة ، وأنّ المدّعي لها معوّل على ما يعلم ضرورة خلافه ويعلم من نفسه ضدّه ونقيضه. والظاهر ـ بل المعلوم ـ أنّه قدس‌سره لم يكن عنده كتاب العدّة.

كلام المحدّث الأسترابادي في موافقة الشيخ للسيّد المرتضى

وقال المحدّث الأسترابادي ـ في محكيّ الفوائد المدنيّة ـ : إنّ الشيخ قدس‌سره لا يجيز العمل إلاّ بالخبر المقطوع بصدوره عنهم ، وذلك هو مراد المرتضى قدس‌سره ، فصارت المناقشة لفظيّة ، لا كما توهّمه العلاّمة ومن تبعه (٢) ، انتهى كلامه.

وقال بعض من تأخّر عنه من الأخباريّين (٣) في رسالته ، بعد ما استحسن ما ذكره صاحب المعالم :

كلام الشيخ حسين الكركي في ذلك أيضا

ولقد أحسن النظر وفهم طريقة الشيخ والسيّد قدس‌سرهما من كلام المحقّق قدس‌سره كما هو حقّه.

والذي يظهر منه : أنّه لم ير عدّة الاصول للشيخ ، وإنّما فهم ذلك ممّا نقله المحقّق قدس‌سره ، ولو رآها لصدع بالحقّ أكثر من هذا. وكم له من تحقيق أبان به من غفلات المتأخّرين ، كوالده وغيره. وفيما ذكره كفاية لمن طلب الحقّ وعرفه ؛ وقد تقدّم كلام الشيخ ، وهو صريح فيما فهمه

__________________

(١) في الصفحة ٣١٨.

(٢) الفوائد المدنيّة : ٦٧.

(٣) هو الشيخ حسين بن شهاب الدين الكركي العاملي في كتاب هداية الأبرار ، كما سيأتي ، انظر شرح الوافية (مخطوط) : ١٨٦.

المحقّق قدس‌سره ، وموافق لما يقوله السيّد قدس‌سره ، فليراجع.

والذي أوقع العلاّمة في هذا الوهم : ما ذكره الشيخ في العدّة : من أنّه يجوز العمل بخبر العدل الإماميّ ، ولم يتأمّل بقيّة الكلام كما تأمّله المحقّق ، ليعلم أنّه إنّما يجوّز العمل بهذه الأخبار التي دوّنها الأصحاب واجتمعوا على جواز العمل بها ، وذلك ممّا يوجب العلم بصحّتها ، لا أنّ كلّ خبر يرويه عدل إماميّ يجب العمل به ؛ وإلاّ فكيف يظنّ بأكابر الفرقة الناجية وأصحاب الأئمّة صلوات الله عليهم ـ مع قدرتهم على أخذ اصول الدين وفروعه منهم عليهم‌السلام بطريق اليقين ـ أن يعوّلوا فيها على أخبار الآحاد المجرّدة ، مع أنّ مذهب العلاّمة (١) وغيره (٢) أنّه لا بدّ في اصول الدين من الدليل القطعيّ ، وأنّ المقلّد في ذلك خارج عن ربقة الإسلام؟ وللعلاّمة وغيره كثير من هذه الغفلات ؛ لالفة أذهانهم باصول العامّة.

ومن تتبّع كتب القدماء وعرف أحوالهم ، قطع بأنّ الأخباريّين من أصحابنا لم يكونوا يعوّلون في عقائدهم إلاّ على الأخبار المتواترة أو الآحاد المحفوفة بالقرائن المفيدة للعلم ، وأمّا خبر الواحد فيوجب عندهم الاحتياط دون القضاء والافتاء ، والله الهادي (٣) ، انتهى كلامه.

المناقشة في ما أفاده المحدّث الأسترابادي والشيخ الكركي

أقول : أمّا دعوى دلالة كلام الشيخ في العدّة على عمله بالأخبار

__________________

(١) انظر الباب الحادي عشر : ٣ ـ ٤ ، ونهاية الوصول (مخطوط) : ٤٤٨.

(٢) كالشيخ الطوسي في العدّة ٢ : ٧٣١ ، والمحقّق في المعارج : ١٩٩ ، والشهيد الأوّل في الألفيّة : ٣٨ ، والشهيد الثاني في المقاصد العليّة : ٢١.

(٣) هداية الأبرار إلى طريق الأئمّة الأطهار : ٦٨ ـ ٦٩.