درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۲۰۰: خبر واحد ۵۲

 

المحقّق قدس‌سره ، وموافق لما يقوله السيّد قدس‌سره ، فليراجع.

والذي أوقع العلاّمة في هذا الوهم : ما ذكره الشيخ في العدّة : من أنّه يجوز العمل بخبر العدل الإماميّ ، ولم يتأمّل بقيّة الكلام كما تأمّله المحقّق ، ليعلم أنّه إنّما يجوّز العمل بهذه الأخبار التي دوّنها الأصحاب واجتمعوا على جواز العمل بها ، وذلك ممّا يوجب العلم بصحّتها ، لا أنّ كلّ خبر يرويه عدل إماميّ يجب العمل به ؛ وإلاّ فكيف يظنّ بأكابر الفرقة الناجية وأصحاب الأئمّة صلوات الله عليهم ـ مع قدرتهم على أخذ اصول الدين وفروعه منهم عليهم‌السلام بطريق اليقين ـ أن يعوّلوا فيها على أخبار الآحاد المجرّدة ، مع أنّ مذهب العلاّمة (١) وغيره (٢) أنّه لا بدّ في اصول الدين من الدليل القطعيّ ، وأنّ المقلّد في ذلك خارج عن ربقة الإسلام؟ وللعلاّمة وغيره كثير من هذه الغفلات ؛ لالفة أذهانهم باصول العامّة.

ومن تتبّع كتب القدماء وعرف أحوالهم ، قطع بأنّ الأخباريّين من أصحابنا لم يكونوا يعوّلون في عقائدهم إلاّ على الأخبار المتواترة أو الآحاد المحفوفة بالقرائن المفيدة للعلم ، وأمّا خبر الواحد فيوجب عندهم الاحتياط دون القضاء والافتاء ، والله الهادي (٣) ، انتهى كلامه.

المناقشة في ما أفاده المحدّث الأسترابادي والشيخ الكركي

أقول : أمّا دعوى دلالة كلام الشيخ في العدّة على عمله بالأخبار

__________________

(١) انظر الباب الحادي عشر : ٣ ـ ٤ ، ونهاية الوصول (مخطوط) : ٤٤٨.

(٢) كالشيخ الطوسي في العدّة ٢ : ٧٣١ ، والمحقّق في المعارج : ١٩٩ ، والشهيد الأوّل في الألفيّة : ٣٨ ، والشهيد الثاني في المقاصد العليّة : ٢١.

(٣) هداية الأبرار إلى طريق الأئمّة الأطهار : ٦٨ ـ ٦٩.

المحفوفة بالقرائن العلميّة دون المجرّدة عنها وأنّه ليس مخالفا للسيّد قدس‌سرهما ، فهو كمصادمة الضرورة ؛ فإنّ في العبارة المتقدّمة من العدّة (١) وغيرها ممّا لم نذكرها مواضع تدلّ على مخالفة السيّد.

نعم ، يوافقه في العمل بهذه الأخبار المدوّنة ، إلاّ أنّ السيّد يدّعي تواترها له أو احتفافها بالقرينة المفيدة للعلم ؛ كما صرّح به في محكيّ كلامه في جواب المسائل التبّانيّات : من أنّ أكثر أخبارنا المرويّة في كتبنا معلومة مقطوع على صحّتها ، إمّا بالتواتر أو بأمارة وعلامة تدلّ على صحّتها وصدق رواتها ، فهي موجبة للعلم مفيدة للقطع وإن وجدناها في الكتب مودعة بسند مخصوص من طريق الآحاد (٢) ، انتهى. والشيخ يأبى عن احتفافها بها (٣) ، كما عرفت (٤) كلامه السابق في جواب ما أورده على نفسه بقوله : فإن قيل : ما أنكرتم أن يكون الذين أشرتم إليهم لم يعملوا بهذه الأخبار بمجرّدها ، بل إنّما عملوا بها لقرائن اقترنت بها دلّتهم على صحّتها ، إلى آخر ما ذكره (٥).

ومجرّد عمل السيّد والشيخ بخبر خاصّ ـ لدعوى الأوّل تواتره ، والثاني كون خبر الواحد حجّة ـ لا يلزم منه توافقهما في مسألة خبر الواحد ؛ فإنّ الخلاف فيها يثمر في خبر يدّعي السيّد تواتره ولا يراه

__________________

(١) راجع الصفحة ٣١٨.

(٢) المسائل التبّانيّات (رسائل الشريف المرتضى) ١ : ٢٦.

(٣) في (ت) و (ه) بدل «بها» : «بالقرينة».

(٤) في (ت) و (ه) زيادة : «من».

(٥) راجع الصفحة ٣١٨.

الشيخ جامعا لشرائط الخبر المعتبر ، وفي خبر يراه الشيخ جامعا ولم يحصل تواتره للسيّد ؛ إذ ليس جميع ما دوّن في الكتب متواترا عند السيّد ولا جامعا لشرائط الحجّيّة عند الشيخ.

ثمّ إنّ إجماع الأصحاب الذي ادّعاه الشيخ على العمل بهذه الأخبار لا يصير قرينة لصحّتها بحيث تفيد العلم ، حتّى يكون حصول الإجماع للشيخ قرينة عامّة لجميع هذه الأخبار ؛ كيف وقد عرفت (١) إنكاره للقرائن حتّى لنفس المجمعين؟ ولو فرض كون الإجماع على العمل قرينة ، لكنّه غير حاصل في كلّ خبر بحيث يعلم أو يظنّ أنّ هذا الخبر بالخصوص وكذا ذاك وذاك ، ممّا اجتمع (٢) على العمل به ، كما لا يخفى.

بل المراد الإجماع على الرجوع إليها والعمل بها بعد حصول الوثوق من الراوي أو من القرائن ؛ ولذا استثنى القميّون كثيرا من رجال نوادر الحكمة (٣) مع كونه من الكتب المشهورة المجمع على الرجوع إليها ، واستثنى ابن الوليد (٤) من روايات العبيديّ ما يرويها عن يونس مع كونها في (٥) الكتب المشهورة.

والحاصل : أنّ معنى الإجماع على العمل بها عدم ردّها من جهة كونها أخبار آحاد ، لا الإجماع على العمل بكلّ خبر خبر منها.

__________________

(١) راجع الصفحة ٣١٨.

(٢) في (ت) و (ص) : «أجمع».

(٣) كتاب نوادر الحكمة لمحمّد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأشعري القمّي.

(٤) هو محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد ، أبو جعفر ، شيخ القمّيين وفقيههم.

(٥) في (ه) : «من».