درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۲۰۷: خبر واحد ۵۹

 

القرائن على صدق الإجماع المدّعى من الشيخ

بذلك موهنا ، بخلاف الإجماع المدّعى من الشيخ والعلاّمة ؛ فإنّه معتضد بقرائن كثيرة تدلّ على صدق مضمونه وأنّ الأصحاب عملوا بالخبر الغير العلميّ في الجملة.

١ - ما ادّعاه الكشّي

فمن تلك القرائن : ما ادّعاه الكشّيّ ، من إجماع العصابة على تصحيح ما يصحّ عن جماعة (١) ؛ فإنّ من المعلوم أنّ معنى التصحيح المجمع عليه هو عدّ خبره صحيحا بمعنى عملهم به ، لا القطع بصدوره ؛ إذ الإجماع وقع على التصحيح لا على الصحّة ، مع أنّ الصحّة عندهم ـ على ما صرّح به غير واحد (٢) ـ عبارة عن الوثوق والركون ، لا القطع واليقين.

٢ - دعوى النجاشي

ومنها : دعوى النجاشيّ أنّ مراسيل ابن أبي عمير مقبولة عند الأصحاب (٣). وهذه العبارة تدلّ على عمل الأصحاب بمراسيل مثل ابن أبي عمير ، لا من أجل القطع بالصدور ، بل لعلمهم بأنّه لا يروي أو لا يرسل إلاّ عن ثقة ؛ فلو لا قبولهم لما يسنده الثقة إلى الثقة لم يكن وجه لقبول مراسيل ابن أبي عمير الذي لا يروي إلاّ عن الثقة.

والاتّفاق المذكور قد ادّعاه الشهيد في الذكرى (٤) أيضا. وعن

__________________

(١) اختيار معرفة الرجال ٢ : ٥٠٧ ، الترجمة ٦٧٣٩.

(٢) كالشيخ البهائي ، انظر مشرق الشمسين (رسائل الشيخ البهائي) : ٢٦٩ ، والمحدّث البحراني في الحدائق ١ : ١٤ ، والمحقّق القمي في القوانين ١ : ٤٨٤ ، وصاحب الفصول في الفصول : ٣٠٩.

(٣) انظر رجال النجاشي : ٣٢٦ ، رقم الترجمة ٨٨٧.

(٤) الذكرى ١ : ٤٩.

كاشف الرموز تلميذ المحقّق : أنّ الأصحاب عملوا بمراسيل البزنطي (١).

ومنها : ما ذكره ابن إدريس ـ في رسالة خلاصة الاستدلال التي صنّفها في مسألة فوريّة القضاء ـ في مقام دعوى الإجماع على المضايقة ، وأنّها ممّا أطبقت عليه الإماميّة إلاّ نفر يسير من الخراسانيّين ، قال في مقام تقريب الإجماع :

إنّ ابني بابويه والأشعريّين : كسعد بن عبد الله وسعد بن سعد ومحمّد بن عليّ بن محبوب ، والقمّيين أجمع : كعليّ بن إبراهيم ومحمّد بن الحسن بن الوليد ، عاملون بالأخبار المتضمّنة للمضايقة ؛ لأنّهم ذكروا أنّه لا يحلّ ردّ الخبر الموثوق برواته (٢) ، انتهى.

فقد استدلّ على مذهب الإماميّة : بذكرهم لأخبار المضايقة وذهابهم إلى العمل برواية الثقة ، فاستنتج من هاتين المقدّمتين ذهابهم إلى المضايقة.

وليت شعري : إذا علم ابن إدريس أنّ مذهب هؤلاء ـ الذين هم أصحاب الأئمّة عليهم‌السلام ، ويحصل العلم بقول الإمام عليه‌السلام من اتّفاقهم ـ وجوب العمل برواية الثقة وأنّه لا يحلّ ترك العمل بها ، فكيف تبع السيّد في مسألة خبر الواحد؟

إلاّ أن يدّعى أنّ المراد بالثقة من يفيد قوله القطع ، وفيه ما لا يخفى. أو يكون مراده ومراد السيّد قدس‌سرهما من الخبر العلميّ ما يفيد الوثوق والاطمئنان لا ما يفيد (٣) اليقين ، على ما ذكرناه سابقا في الجمع بين

__________________

(١) كشف الرموز ١ : ٤٥٢.

(٢) تقدّم نقل هذا الكلام من خلاصة الاستدلال في الصفحة ٢٠٧.

(٣) كذا في (ر) ، (ظ) ، (م) ونسخة بدل (ص) ، وفي غيرها بدل «يفيد» : «يوجب».

كلامي السيّد والشيخ قدس‌سرهما (١).

٤ - ما ذكره المحقّق قدس‌سره

ومنها : ما ذكره المحقّق في المعتبر في مسألة خبر الواحد ، حيث قال :

أفرط الحشويّة في العمل بخبر الواحد حتّى انقادوا لكلّ خبر ، وما فطنوا لما تحته من التناقض ؛ فإنّ من جملة الأخبار قول النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله : «ستكثر بعدي القالة عليّ» ، وقول الصادق عليه‌السلام : «إنّ لكلّ رجل منّا رجلا يكذب عليه» (٢).

واقتصر بعضهم من هذا الإفراط ، فقال : كلّ سليم السند يعمل به. وما علم أنّ الكاذب قد يصدق ، ولم يتنبّه على أنّ ذلك طعن في علماء الشيعة وقدح في المذهب ؛ إذ ما من مصنّف إلاّ وهو يعمل بخبر المجروح كما يعمل بخبر العدل.

وافرط آخرون في طريق ردّ الخبر حتّى أحالوا استعماله عقلا. واقتصر آخرون ، فلم يروا العقل مانعا ، لكنّ الشرع لم يأذن في العمل به.

وكلّ هذه الأقوال منحرفة عن السنن ، والتوسّط أقرب ، فما قبله الأصحاب أو دلّت القرائن على صحّته عمل به ، وما أعرض عنه الأصحاب أو شذّ يجب اطّراحه (٣) ، انتهى.

وهو ـ كما ترى ـ ينادي : بأنّ علماء الشيعة قد يعملون بخبر

__________________

(١) راجع الصفحة ٣٣١.

(٢) تقدّم الحديثان في الصفحة ٣٠٨.

(٣) المعتبر ١ : ٢٩.