درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۲۰۹: خبر واحد ۶۱

 

ومنها : ما ذكره شيخنا البهائيّ في مشرق الشمسين : من أنّ الصحيح عند القدماء ما كان محفوفا بما يوجب ركون النفس إليه. وذكر فيما يوجب الوثوق امورا لا تفيد إلاّ الظنّ (١).

ومعلوم أنّ الصحيح عندهم هو المعمول به ، وليس مثل الصحيح عند المتأخّرين في أنّه قد لا يعمل به لإعراض الأصحاب عنه أو لخلل آخر ؛ فالمراد أنّ المقبول عندهم ما تركن إليه النفس وتثق به.

هذا ما حضرني من كلمات الأصحاب ، الظاهرة في دعوى الاتّفاق على العمل بخبر الواحد الغير العلميّ في الجملة ، المؤيّدة لما ادّعاه الشيخ والعلاّمة.

ذهاب معظم الأصحاب إلى حجيّة الخبر الواحد

وإذا ضممت إلى ذلك كلّه ذهاب معظم الأصحاب بل كلّهم ـ عدا السيّد وأتباعه ـ من زمان الصدوق إلى زماننا هذا ، إلى حجّيّة الخبر الغير العلميّ ، حتّى أنّ الصدوق تابع في التصحيح والردّ لشيخه ابن الوليد ، وأنّ ما صحّحه فهو صحيح وأنّ ما ردّه فهو مردود ـ كما صرّح به في صلاة الغدير (٢) ، وفي الخبر الذي رواه في العيون عن كتاب الرحمة (٣) ـ ، ثمّ ضممت إلى ذلك ظهور عبارة أهل الرجال في تراجم كثير من الرواة في كون العمل بالخبر الغير العلميّ مسلّما عندهم ، مثل قولهم : فلان لا يعتمد على ما ينفرد به ، وفلان مسكون في روايته ، وفلان صحيح الحديث ، والطعن في بعض بأنّه يعتمد الضعفاء والمراسيل ،

__________________

(١) مشرق الشمسين (رسائل الشيخ البهائي) : ٢٦٩.

(٢) الفقيه ٢ : ٩٠ ، ذيل الحديث ١٨١٧.

(٣) عيون أخبار الرضا عليه‌السلام ٢ : ٢٠ ـ ٢٣ ، الحديث ٤٥.

و (١) غير ذلك ، وضممت إلى ذلك ما يظهر من بعض أسئلة الروايات السابقة : من أنّ العمل بالخبر الغير العلميّ كان مفروغا عنه عند الرواة ، تعلم علما يقينيّا (٢) صدق ما ادّعاه الشيخ من إجماع الطائفة (٣).

والإنصاف : أنّه لم يحصل في مسألة يدّعى فيها الإجماع من الإجماعات المنقولة والشهرة العظيمة (٤) والأمارات الكثيرة الدالّة على العمل ، ما حصل في هذه المسألة ، فالشاكّ في تحقّق الإجماع في هذه المسألة لا أراه يحصل له الإجماع في مسألة من المسائل الفقهيّة ، اللهمّ إلاّ في ضروريّات المذهب.

القدر المتيقّن هو الخبر المفيد للاطمئنان

لكنّ الإنصاف : أنّ المتيقّن من هذا كلّه الخبر المفيد للاطمئنان ، لا مطلق الظنّ. ولعلّه مراد السيّد من العلم كما أشرنا إليه آنفا (٥). بل ظاهر كلام بعض احتمال أن يكون مراد السيّد قدس‌سره من خبر الواحد غير مراد الشيخ قدس‌سره.

__________________

(١) في (ر) و (ص) بدل «و» : «إلى».

(٢) في غير (ص) ، (ظ) و (م) : «يقينا».

(٣) وردت هنا في (ر) زيادة ، وهي : «وحكى السيّد المحدّث الجزائري عمّن يثق به : أنّه قد زار السيّد صاحب المدارك المشهد الغروي ، فزاره العلماء وزارهم إلاّ المولى عبد الله التستري ، فقيل للسيّد في ذلك ، فاعتذر بأنّه لا يرى العمل بأخبار الآحاد فهو مبدع ، ونقل في ذلك رواية مضمونها : أنّ من زار مبدعا فقد خرّب الدين.

وهذه حكاية عجيبة لا بدّ من توجيهها ، كما لا يخفى على من اطّلع على طريقة المولى المشار إليه ومسلكه في الفقه ، فراجع».

(٤) في (ت) و (ر) بدل «العظيمة» : «القطعيّة».

(٥) راجع الصفحة ٣٣١.