درس فرائد الاصول - قطع و ظن

جلسه ۲۱۷: خبر واحد ۶۹

 

الحسن عنه مع مقابلتها عليه ، وإنّما يرويها عن أخويه أحمد ومحمّد ، عن أبيه ، واعتذر عن ذلك بأنّه يوم مقابلته الحديث مع أبيه كان صغير السنّ ، ليس له كثير معرفة بالروايات ، فقرأها على أخويه ثانيا (١).

والحاصل : أنّ الظاهر انحصار مدارهم على إيداع ما سمعوه من صاحب الكتاب أو ممّن سمعه منه ، فلم يكونوا يودعون إلاّ ما سمعوا ولو بوسائط من صاحب الكتاب ولو كان معلوم الانتساب ، مع اطمئنانهم بالوسائط وشدّة وثوقهم بهم.

حتّى أنّه ربما كانوا يتبعونهم في تصحيح الحديث وردّه ، كما اتّفق للصدوق بالنسبة إلى شيخه ابن الوليد قدس‌سرهما (٢).

وربما كانوا لا يثقون بمن يوجد فيه قدح بعيد المدخليّة في الصدق ؛ ولذا حكي عن جماعة منهم : التحرّز عن الرواية عمّن يروي عن الضعفاء ويعتمد المراسيل وإن كان ثقة في نفسه ، كما اتّفق بالنسبة إلى البرقيّ (٣). بل يتحرّزون (٤) عن الرواية عمّن يعمل بالقياس ، مع أنّ عمله لا دخل له بروايته ، كما اتّفق بالنسبة إلى الإسكافيّ ؛ حيث ذكر في ترجمته : أنّه كان يرى القياس ، فترك رواياته لأجل ذلك (٥).

وكانوا يتوقّفون في روايات من كان على الحقّ فعدل عنه وإن

__________________

(١) رجال النجاشي : ٢٥٨.

(٢) انظر الفقيه ٢ : ٩٠ ، ذيل الحديث ١٨١٧ ، وراجع الصفحة ٣٤٠.

(٣) انظر رجال النجاشي : ٧٦ ، الرقم ١٨٢ ، ورجال العلاّمة الحلّي : ١٤ ، الرقم ٧.

(٤) في (ت) ، (ر) ، (ظ) و (م) : «يحترزون».

(٥) انظر الفهرست للشيخ الطوسي : ٢٦٨ ، الرقم ٥٩٢.

كانت كتبه ورواياته حال الاستقامة ، حتّى أذن لهم الإمام عليه‌السلام أو نائبه ، كما سألوا العسكري عليه‌السلام عن كتب بني فضّال ، وقالوا : إنّ بيوتنا منها ملاء (١) ، فأذن عليه‌السلام لهم (٢). وسألوا الشيخ أبا القاسم بن روح عن كتب ابن أبي عزاقر (٣) التي صنّفها قبل الارتداد عن مذهب الشيعة ، حتّى أذن لهم الشيخ في العمل بها (٤).

والحاصل : أنّ الأمارات الكاشفة عن اهتمام أصحابنا في تنقيح الأخبار في الأزمنة المتأخّرة عن زمان الرضا عليه‌السلام أكثر من أن تحصى ، ويظهر (٥) للمتتبّع.

الداعي إلى هذا الاهتمام

والداعي إلى شدّة الاهتمام ـ مضافا إلى كون تلك الروايات أساس الدين وبها قوام شريعة سيّد المرسلين صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولذا قال الإمام عليه‌السلام في شأن جماعة من الرواة : «لو لا هؤلاء لاندرست آثار النبوّة» (٦). وأنّ الناس لا يرضون بنقل ما لا يوثق به في كتبهم المؤلّفة في التواريخ التي

__________________

(١) كذا في الغيبة : ٣٨٩ ، وفي البحار ٢ : ٢٥٢ : «مليء» ، وفيه ٥١ : ٣٥٨ : «ملأى».

(٢) البحار ٢ : ٢٥٢ ، الحديث ٧٢ ، و ٥١ : ٣٥٨ ، باب احوال السفراء ، والغيبة للشيخ الطوسي : ٣٨٩ ، الرقم ٣٥٥ ، وانظر الوسائل ١٨ : ١٠٣ ، الباب ١١ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ١٣.

(٣) كذا في (ه) والمصدر ، وفي (ص) ، (ل) و (م) : «ابن عذافر» ، وفي (ر) : «ابن عزاقر» ، وفي (ظ) : «ابن عذافر».

(٤) انظر المصادر المتقدّمة ، البحار والغيبة.

(٥) لم ترد «ويظهر» في (ت) ، (ظ) و (ه).

(٦) الوسائل ١٨ : ١٠٣ ، الباب ١١ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ١٤.

لا يترتّب على وقوع الكذب فيها أثر دينيّ ، بل (١) ولا دنيويّ ، فكيف في كتبهم المؤلّفة لرجوع من يأتي إليها في امور الدين ، على ما أخبرهم الإمام عليه‌السلام ب «أنّه يأتي على الناس زمان هرج لا يأنسون إلاّ بكتبهم» (٢) ، وعلى ما ذكره الكلينيّ قدس‌سره في ديباجة الكافي : من كون كتابه مرجعا لجميع من يأتي بعد ذلك ـ (٣) :

دسّ الأخبار المكذوبة في كتب أصحاب الأئمّة عليهما‌السلام

ما تنبّهوا له ونبّههم عليه الأئمّة عليهم‌السلام : من أنّ الكذّابة كانوا يدسّون الأخبار المكذوبة في كتب أصحاب الأئمّة عليهم‌السلام ؛ كما يظهر من الروايات الكثيرة :

منها : أنّه عرض يونس بن عبد الرحمن على سيّدنا أبي الحسن الرضا عليه‌السلام كتب جماعة من أصحاب الباقر والصادق عليهما‌السلام ، فأنكر منها أحاديث كثيرة أن تكون من أحاديث أبي عبد الله عليه‌السلام ، وقال صلوات الله عليه : «إنّ أبا الخطّاب كذب على أبي عبد الله عليه‌السلام ، وكذلك أصحاب أبي الخطّاب يدسّون هذه الأحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبد الله عليه‌السلام» (٤).

ومنها : ما عن هشام بن الحكم أنّه سمع أبا عبد الله عليه‌السلام يقول : «كان المغيرة بن سعد لعنه الله يتعمّد الكذب على أبي ، ويأخذ كتب أصحابه ، وكان أصحابه ـ المستترون بأصحاب أبي ـ يأخذون الكتب من

__________________

(١) لم ترد «بل» في (ت) و (ل).

(٢) الوسائل ١٨ : ٥٦ ، الباب ٨ من أبواب صفات القاضي ، الحديث ١٨.

(٣) الكافي ١ : ٨ ـ ٩.

(٤) اختيار معرفة الرجال ٢ : ٤٩٠ ، رقم الترجمة ٤٠١.

أصحاب أبي فيدفعونها إلى المغيرة لعنه الله ، فكان يدسّ فيها الكفر والزندقة ويسندها إلى أبي عليه‌السلام ... الحديث» (١).

ورواية الفيض بن المختار المتقدّمة (٢) في ذيل كلام الشيخ ، إلى غير ذلك من الروايات (٣).

وظهر ممّا ذكرنا : أنّ ما علم إجمالا من الأخبار الكثيرة : من وجود الكذّابين ووضع الأحاديث (٤) ، فهو إنّما كان قبل زمان مقابلة الحديث وتدوين علمي الحديث والرجال بين أصحاب الأئمّة عليهم‌السلام.

مع أنّ العلم بوجود الأخبار المكذوبة إنّما ينافي دعوى القطع بصدور الكلّ التي تنسب إلى بعض الأخباريّين (٥) ، أو دعوى الظنّ بصدور جميعها (٦) ، ولا ينافي (٧) ما نحن بصدده : من دعوى العلم الإجماليّ بصدور أكثرها أو كثير منها ، بل هذه دعوى بديهيّة.

والمقصود ممّا ذكرنا : دفع ما ربما يكابره المتعسّف الخالي عن التتبّع ، من منع هذا العلم الإجماليّ.

__________________

(١) اختيار معرفة الرجال ٢ : ٤٩١ ، رقم الترجمة ٤٠٢.

(٢) في الصفحة ٣٢٥.

(٣) تقدّم بعضها في الصفحة ٣٠٨ ـ ٣٠٩.

(٤) في (ت) و (ه) : «الحديث».

(٥) انظر الفوائد المدنيّة : ٥٢ ـ ٥٣ ، وهداية الأبرار : ١٧ ، والحدائق ١ : ١٧.

(٦) في (ظ) ، (ل) و (م) زيادة : «التي يعترف بها المنصف بعد التأمّل في ما ذكرنا وتتبّع أضعافه من تراجم الرواة» ، مع اختلاف يسير.

(٧) في غير (ظ) ، (ل) و (م) زيادة : «ذلك».