درس مکاسب - خیارات

جلسه ۴: مقدمات ۴

مرتضوی
استاد
مرتضوی
 

لكنّه مبنيٌّ على كون الأرش جزءاً حقيقيّا من الثمن كما عن بعض العامّة (١) ليتحقّق انفساخ العقد بالنسبة إليه عند استرداده.

وقد صرّح العلاّمة في كتبه : بأنّه لا يعتبر في الأرش كونه جزءاً من الثمن ، بل له إبداله ؛ لأنّ الأرش غرامة (٢). وحينئذٍ فثبوت الأرش لا يوجب تزلزلاً في العقد.

رجوع إلى معاني «الأصل»

ثمّ إنّ «الأصل» بالمعنى الرابع إنّما ينفع مع الشكّ في ثبوت خيارٍ في خصوص البيع ؛ لأنّ الخيار حقٌّ خارجيٌّ يحتاج ثبوته إلى الدليل. أمّا لو شكّ في عقدٍ آخر من حيث اللزوم والجواز فلا يقتضي ذلك الأصل لزومه ؛ لأنّ مرجع الشكّ حينئذٍ إلى الشكّ في الحكم الشرعي.

وأمّا الأصل بالمعنى الأوّل فقد عرفت عدم تمامه.

وأمّا بمعنى الاستصحاب فيجري في البيع وغيره إذا شكّ في لزومه وجوازه.

الأدلة على أصالة اللزوم

وأمّا بمعنى القاعدة فيجري في البيع وغيره ؛ لأنّ أكثر العمومات الدالّة على هذا المطلب يعمّ غير البيع ، وقد أشرنا في مسألة المعاطاة إليها ، ونذكرها هنا تسهيلاً على الطالب :

الاستدلال بآية أوفوا بالعقود

فمنها : قوله تعالى ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٣) دلّ على وجوب الوفاء بكلّ عقد. والمراد بالعقد : مطلق العهد كما فسّر به في صحيحة ابن سنان المرويّة في تفسير عليّ بن إبراهيم (٤) أو ما يسمّى عقداً لغةً‌

__________________

(١) حكاه العلاّمة في التذكرة ١ : ٥٢٨.

(٢) لم نقف عليه في غير التذكرة ١ : ٥٢٨.

(٣) المائدة : ١.

(٤) تفسير القمّي ١ : ١٦٠.

وعرفاً. والمراد بوجوب الوفاء : العمل بما اقتضاه العقد في نفسه بحسب دلالته اللفظيّة ، نظير الوفاء بالنذر ، فإذا دلّ العقد مثلاً على تمليك العاقد ماله من غيره وجب العمل بما يقتضيه التمليك (١) من ترتيب آثار ملكيّة ذلك الغير له ، فأخذه من يده بغير رضاه والتصرّف فيه كذلك نقضٌ لمقتضى ذلك العهد ، فهو حرام.

فإذا حرم بإطلاق الآية جميع ما يكون نقضاً لمضمون العقد ومنها التصرّفات الواقعة بعد فسخ المتصرّف من دون رضا صاحبه كان هذا لازماً مساوياً للزوم العقد وعدم انفساخه بمجرّد فسخ أحدهما ، فيستدلّ بالحكم التكليفي على الحكم الوضعي أعني فساد الفسخ من أحدهما بغير رضا الآخر ، وهو معنى اللزوم (٢).

وممّا ذكرنا ظهر ضعف ما قيل : من أنّ معنى وجوب الوفاء بالعقد : العملُ بما يقتضيه من لزومٍ وجواز (٣) ، فلا يتمّ الاستدلال به على اللزوم.

توضيح الضعف : أنّ اللزوم والجواز من الأحكام الشرعيّة للعقد ، وليسا من مقتضيات العقد في نفسه مع قطع النظر عن حكم الشارع. نعم ، هذا المعنى أعني : وجوب الوفاء بما يقتضيه العقد في نفسه يصير بدلالة الآية حكماً شرعيّاً للعقد ، مساوياً للّزوم.

وأضعف من ذلك : ما نشأ من عدم التفطّن لوجه دلالة الآية على‌

__________________

(١) في «ق» كُتب على «التمليك» : «العقد».

(٢) في «ش» وهامش «ف» زيادة : «بل قد حُقِّق في الأُصول : أن لا معنى للحكم الوضعي إلاّ ما انتزع من الحكم التكليفي».

(٣) قاله العلاّمة قدس‌سره في المختلف ٦ : ٢٥٥.

اللزوم مع الاعتراف بأصل الدلالة لمتابعة المشهور وهو (١) : أنّ المفهوم من الآية عرفاً حكمان : تكليفيٌّ ووضعيٌّ (٢).

وقد عرفت أن ليس المستفاد منها إلاّ حكمٌ واحدٌ تكليفيٌّ يستلزم حكماً وضعيّاً (٣).

الاستدلال بآية (أحل الله البيع)

ومن ذلك يظهر لك الوجه في دلالة قوله تعالى ﴿أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ﴾ (٤) على اللزوم ، فإنّ حلّية البيع التي لا يراد منها إلاّ حلّية جميع التصرّفات المترتّبة عليه التي منها ما يقع بعد فسخ أحد المتبايعين بغير رضا الآخر مستلزمةٌ لعدم تأثير ذلك الفسخ وكونه لغواً غير مؤثّر.

الاستدلال بآية (تجارة عن تراض)

ومنه يظهر وجه الاستدلال على اللزوم بإطلاق حلّية أكل المال بالتجارة عن تراضٍ (٥) ، فإنّه يدلّ على أنّ التجارة سببٌ لحلّية التصرّف بقولٍ مطلق حتّى بعد فسخ أحدهما من دون رضا الآخر.

فدلالة الآيات الثلاث على أصالة اللزوم على نهجٍ واحد ، لكن الإنصاف أنّ في دلالة الآيتين بأنفسهما على اللزوم نظراً (٦).

__________________

(١) يعني : ما نشأ من عدم التفطّن.

(٢) لم نقف على قائله.

(٣) راجع الصفحة المتقدّمة.

(٤) البقرة : ٢٧٥.

(٥) المستفاد من قوله تعالى ﴿إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ﴾ النساء : ٢٩.

(٦) في «ش» بدل قوله «لكنّ الإنصاف .. إلخ» عبارة : «لكن يمكن أن يقال : إنّه إذا كان المفروض الشكّ في تأثير الفسخ في رفع الآثار الثابتة بإطلاق الآيتين الأخيرتين لم يمكن التمسّك في رفعه إلاّ بالاستصحاب ، ولا ينفع الإطلاق». وقد وردت هذه العبارة في «ف» في الهامش.