درس مکاسب - خیارات

جلسه ۳۴: خیار حیوان ۹

مرتضوی
استاد
مرتضوی
 

والدروس (١).

فعلم أنّ العبرة بالرضا ، وإنّما اعتبر التصرّف للدلالة ، وورد النصّ أيضاً بأنّ العرض على البيع إجازةٌ (٢) ، مع أنّه ليس حدثاً عرفاً.

وممّا يؤيّد عدم إرادة الأصحاب كون التصرّف مسقطاً إلاّ من جهة دلالته على الرضا : حكمهُم بأنَّ كلَّ تصرّفٍ يكون إجازةً من المشتري في المبيع يكون فسخاً من البائع ، فلو كان التصرّف (٣) مسقطاً تعبّدياً عندهم من جهة النصّ لم يكن وجهٌ للتعدّي عن كونه إجازةً إلى كونه فسخاً.

وقد صرّح في التذكرة : بأنّ الفسخ كالإجازة يكون بالقول وبالفعل (٤) ، وذكر التصرّف [مثالاً (٥)] للفسخ والإجازة الفعليّين (٦).

فاندفع ما يقال في تقريب كون التصرّف مسقطاً لا للدلالة على الرضا : بأنّ الأصحاب يعدّونه في مقابل الإجازة (٧).

المناقشة في الاحتمال الرابع

وأمّا المعنى الرابع : فهو وإن كان أظهر الاحتمالات من حيث‌

__________________

(١) التحرير ١ : ١٦٨ ، والدروس ٣ : ٢٧٢.

(٢) راجع الوسائل ١٢ : ٣٥٩ ، الباب ١٢ من أبواب الخيار ، الحديث الأوّل.

(٣) في «ق» زيادة : «عندهم» ، ولعلّ التكرار من سهو القلم.

(٤) التذكرة ١ : ٥٣٧.

(٥) لم يرد في «ق».

(٦) كذا في «ش» ، وفي «ق» و «ف» : «فعلاً» ، لكن شُطب عليه في «ف» ، وكتب أعلاه ما أثبتناه.

(٧) راجع الجواهر ٢٣ : ٦٦.

اللفظ ، بل جزم به في الدروس (١) ، ويؤيّده ما تقدّم من رواية عبد الله [بن الحسن (٢)] بن زيد ، الحاكية للنبويّ الدالّ كما في الدروس أيضاً (٣) على الاعتبار بنفس الرضا ، وظاهر بعض كلماتهم الآتية.

إلاّ أنّ المستفاد من تتبّع الفتاوى الإجماع على عدم إناطة الحكم بالرضا الفعلي بلزوم العقد ؛ مع أنّ أظهريّته بالنسبة إلى المعنى الثالث غير واضحة.

تعيّن الاحتمال الثالث

فتعيّن إرادة المعنى الثالث ، ومحصّله : دلالة التصرّف لو خُلّي وطبعه على الالتزام وإن لم يفد في خصوص المقام ، فيكون التصرّف إجازةً فعليّةً في مقابل الإجازة القوليّة ؛ وهذا هو الذي ينبغي أن يعتمد عليه.

الاستشهاد بكلمات الفقهاء عليه

قال في المقنعة : إنّ هلاك الحيوان في الثلاثة من البائع ، إلاّ أن يحدث فيه المبتاع حدثاً يدلّ على الرضا بالابتياع (٤) ، انتهى. ومَثّل للتصرّف في مقامٍ آخر بأن ينظر من الأمة إلى ما يحرم لغير المالك (٥).

وقال في المبسوط في أحكام العيوب : إذا كان المبيع بهيمةً وأصاب بها عيباً فله ردّها ، وإذا كان في طريق الردّ جاز له ركوبها‌

__________________

(١) الدروس ٣ : ٢٢٧.

(٢) لم يرد في «ق» ، لكنّه موجود في «ش» والمصدر ، وفيما تقدّم في الصفحة ١٠٠.

(٣) الدروس ٣ : ٢٢٧ ٢٢٨.

(٤) المقنعة : ٥٩٩ ، وانظر ٥٩٢ أيضاً.

(٥) المقنعة : ٥٩٣.

وسقيها وعلفها وحلبها وأخذ لبنها ، وإن نتجت كان له نتاجها. ثمّ قال : ولا يسقط الردّ ؛ لأنّه إنّما يسقط بالرضا بالعيب أو بترك الردّ بعد العلم بالعيب أو بأن يحدث فيه عيبٌ عنده ، وليس هنا شي‌ءٌ من ذلك (١) ، انتهى.

وفي الغنية : لو هلك المبيع في مدّة الخيار فهو من مال بائعه ، إلاّ أن يكون المبتاع قد أحدث فيه حدثاً يدلّ على الرضا (٢) ، انتهى.

وقال الحلبي قدس‌سره في الكافي في خيار الحيوان ـ : فإن هلك في مدّة الخيار فهو من مال البائع ، إلاّ أن يحدث فيه حدثاً يدلّ على الرضا (٣) ، انتهى.

وفي السرائر بعد حكمه بالخيار في الحيوان إلى ثلاثة أيّام قال : هذا إذا لم يُحدث في هذه المدّة حدثاً يدلّ على الرضا أو يتصرّف فيه تصرّفاً ينقص قيمته ، أو يكون لمثل ذلك التصرّف اجرةٌ ، بأن يركب الدابّة أو يستعمل الحمار أو يقبّل الجارية أو يلامسها أو يدبّرها تدبيراً ليس له الرجوع فيه كالمنذور (٤) ، انتهى.

وقال في موضعٍ آخر : إذا لم يتصرّف فيه تصرّفاً يؤذن بالرضا في العادة (٥).

__________________

(١) المبسوط ٢ : ١٣٩.

(٢) الغنية : ٢٢١.

(٣) الكافي في الفقه : ٣٥٣.

(٤) السرائر ٢ : ٢٨٠.

(٥) السرائر ٢ : ٢٧٧.

وأمّا العلاّمة : فقد عرفت أنّه استدلّ على أصل الحكم بأنّ التصرّف دليل الرضا باللزوم (١).

وقال في موضعٍ آخر : لو ركب الدابّة ليردّها سواء قصرت المسافة أو طالت لم يكن ذلك رضاً بها. ثمّ قال : ولو سقاها الماء أو ركبها ليسقيها ثمّ يردّها لم يكن ذلك رضاً منه بإمساكه ، ولو حلبها في طريقه فالأقرب أنّه تصرّفٌ يؤذن بالرضا (٢).

وفي التحرير في مسألة سقوط ردّ المعيب بالتصرّف قال : وكذا لو استعمل المبيع أو تصرّف فيه بما يدلّ على الرضا (٣).

وقال في الدروس : استثنى بعضهم من التصرّف ركوب الدابّة والطحن عليها وحلبها ، إذ بها يعرف حالها ليختبر (٤) ، وليس ببعيد (٥).

وقال المحقّق الكركي : لو تصرّف ذو الخيار غير عالمٍ ، كأن ظنّها جاريته المختصّة فتبيّنت ذات الخيار أو ذهل عن كونها المشتراة (٦) ففي الحكم تردّدٌ ، ينشأ : من إطلاق الخبر بسقوط الخيار بالتصرّف ، ومن أنّه غير قاصدٍ إلى لزوم البيع ، إذ لو علم لم يفعل ، والتصرّف إنّما عُدّ‌

__________________

(١) راجع الصفحة ٩٨.

(٢) التذكرة : ٥٢٩.

(٣) التحرير ١ : ١٨٤.

(٤) كذا في النسخ ، وفي الدروس : «للمختبر».

(٥) الدروس ٣ : ٢٧٢.

(٦) في المصدر : أو ذهل عن كون المشتراة ذات خيار.

مسقطاً لدلالته على الرضا باللزوم (١).

وقال في موضعٍ آخر : ولا يعدّ ركوب الدابّة للاستخبار أو لدفع جموحها أو للخوف من ظالمٍ أو ليردّها تصرّفاً. ثمّ قال : وهل يعدّ حملها للاستخبار تصرّفاً؟ ليس ببعيدٍ أن لا يعدّ. وكذا لو أراد ردّها وحلبها لأخذ اللبن ، على إشكالٍ ينشأ من أنّه ملكه ، فله استخلاصه (٢) ، انتهى.

وحكي عنه في موضعٍ آخر أنّه قال : والمراد بالتصرّف المسقط ما كان المقصود منه التملّك ، لا الاختبار ولا حفظ المبيع كركوب الدابّة للسقي (٣) ، انتهى.

ومراده من التملّك : البقاء عليه والالتزام به ، ويحتمل أن يراد به الاستعمال للانتفاع بالملك ، لا للاختبار أو الحفظ.

ظهور كلمات الفقهاء في المعنى الثالث

هذا ما حضرني من كلماتهم في هذا المقام ، الظاهرة في المعنى الثالث ، وحاصله : التصرّف على وجهٍ يدلّ عرفاً لو خُلّي وطبعه على الالتزام بالعقد ، ليكون إسقاطاً فعليّاً للخيار ، فيخرج منه ما دلّت القرينة على وقوعه لا عن الالتزام.

لكن يبقى الإشكال المتقدّم سابقاً (٤) : من أنّ أكثر أمثلة‌

__________________

(١) جامع المقاصد ٤ : ٣٠٥.

(٢) جامع المقاصد ٤ : ٣٠٤.

(٣) حكاه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ٥٦٠ ، وانظر جامع المقاصد ٤ : ٢٩١ و ٣٠٤.

(٤) راجع الصفحة ٩٩.

التصرّف المذكورة في النصوص والفتاوى ليست كذلك ، بل هي واقعةٌ غالباً مع الغفلة أو التردّد أو العزم على الفسخ مطلقاً ، أو إذا اطّلع على ما يوجب زهده فيه ، فهي غير دالّةٍ في نفسها عرفاً على الرضا.

ومنه يظهر وجه النظر في دفع الاستبعاد الذي ذكرناه سابقاً (١) من عدم انفكاك اشتراء الحيوان من التصرّف فيه في الثلاثة فيكون مورد الخيار في غاية الندرة بأنّ الغالب في التصرّفات وقوعها مع عدم الرضا باللزوم ، فلا يسقط بها الخيار (٢) ، إذ فيه : أنّ هذا يوجب استهجان تعليل السقوط بمطلق الحدث بأنّه رضاً ؛ لأنّ المصحِّح لهذا التعليل مع العلم بعدم كون بعض أفراده رضاً هو ظهوره فيه عرفاً من أجل الغلبة ، فإذا فرض أنّ الغالب في مثل هذه التصرّفات وقوعها لا عن التزامٍ للعقد بل مع العزم على الفسخ أو التردّد فيه أو الغفلة ، كان تعليل الحكم على المطلق بهذه العلّة الغير الموجودة إلاّ في قليلٍ من أفراده مستهجناً.

وأمّا الاستشهاد لذلك بما سيجي‌ء : من أنّ تصرّف البائع في ثمن بيع الخيار غير مسقطٍ لخياره اتّفاقاً ، وليس ذلك إلاّ من جهة صدوره لا عن التزامٍ بالعقد ، بل مع العزم على الفسخ بردّ مثل الثمن ، ففيه : ما سيجي‌ء.

وممّا ذكرنا من استهجان التعليل على تقدير كون غالب التصرّفات‌

__________________

(١) راجع الصفحة ٩٩.

(٢) راجع الرياض ٨ : ٢٠٢ ، ومفتاح الكرامة ٤ : ٥٦٠.