درس مکاسب - خیارات

جلسه ۹۸: خیار عیب ۵

مرتضوی
استاد
مرتضوی
 

والأمة لم يكن له ردّهما ، وإذا وجده بعد تدبيرهما أو هبتهما كان مخيّراً بين الردّ و (١) أرش العيب ، وفرّقا بينهما وبين العتق بجواز الرجوع فيهما دون العتق.

ويردّه مع أنّ مثلهما تصرّفٌ يؤذن بالرضا مرسلة جميل (٢) ؛ فإنّ العين مع الهبة والتدبير غير قائمةٍ ، وجواز الرجوع وعدمه لا دخل له في ذلك ؛ ولذا اعترض عليهما الحلّي بالنقض بما لو باعه بخيارٍ مع أنّه لم يقل أحدٌ من الأُمّة بجواز الردّ حينئذٍ (٣) بعد ما ذكر : أنّ الذي يقتضيه أُصول المذهب أنّ المشتري إذا تصرّف في المبيع فإنّه لا يجوز له ردّه ، ولا خلاف [في (٤)] أنّ الهبة والتدبير تصرّف (٥).

وبالجملة ، فتعميم الأكثر لأفراد التصرّف مع التعميم لما بعد العلم وما قبله مشكلٌ. والعجب من المحقّق الثاني أنّه تنظّر في سقوط الخيار بالهبة الجائزة ، مع تصريحه في مقامٍ آخر بما عليه الأكثر (٦).

٣ ـ المسقط الثالث : تلف العين أو صيرورته كالتالف

الثالث : تلف العين أو صيرورته كالتالف ، فإنّه يسقط الخيار هنا ، بخلاف الخيارات المتقدّمة الغير الساقطة بتلف العين.

والمستند فيه بعد ظهور الإجماع إناطة الردّ في المرسلة السابقة (٧)

__________________

(١) في «ش» زيادة : «أخذ».

(٢) المتقدّمة في الصفحة ٢٨٠.

(٣) في «ش» زيادة : «وقال».

(٤) من «ش».

(٥) السرائر ٢ : ٢٩٩.

(٦) راجع جامع المقاصد ٤ : ٣٤٢ و ٢٩١.

(٧) وهي مرسلة جميل المتقدّمة في الصفحة ٢٨٠.

بقيام العين ، فإنّ الظاهر منه اعتبار بقائها في ملكه ، فلو تلف أو انتقل إلى ملك الغير أو استُؤجر أو رُهن أو أبق العبد أو انعتق العبد على المشتري ، فلا ردّ.

وممّا ذكرنا ظهر أنّ عدّ انعتاق العبد على المشتري مسقطاً برأسه كما في الدروس (١) لا يخلو عن شي‌ءٍ. نعم ، ذكر أنّه يمكن إرجاع هذا الوجه إلى التصرّف ، وهو أيضاً لا يخلو عن شي‌ءٍ ، والأولى ما ذكرناه.

ثمّ إنّه لو عاد الملك إلى المشتري لم يجز ردّه ؛ للأصل ، خلافاً للشيخ (٢) ، بل المفيد (٣) قدس‌سرهما.

«فرع» :

وطء الجارية مانع عن ردّها بالعيب والدليل عليه

لا خلاف نصّاً (٤) وفتوى في أنّ وطء الجارية يمنع عن ردّها بالعيب ، سواءً قلنا بأنّ مطلق التصرّف مانعٌ أم قلنا باختصاصه بالتصرّف الموجب لعدم كون الشي‌ء قائماً بعينه ، غاية الأمر كون الوطء على هذا القول مستثنى عن التصرّف الغير المغيّر للعين كما عرفت (٥) من عبارة الغنية مع أنّ العلاّمة قدس‌سره علّل المنع في موضعٍ من التذكرة بأنّ الوطء جنايةٌ ، ولهذا يوجب غرامة جزءٍ من القيمة كسائر جنايات المملوك (٦).

__________________

(١) الدروس ٣ : ٢٨٦.

(٢) المبسوط ٢ : ١٣١.

(٣) لم نعثر عليه.

(٤) راجع الوسائل ١٢ : ٤١٤ ٤١٥ ، الباب ٤ من أبواب العيوب.

(٥) راجع الصفحة ٢٨٨.

(٦) التذكرة ١ : ٥٢٦.

وقد تقدّم (١) في كلام الإسكافي أيضاً : أنّ الوطء ممّا لا يمكن معه ردّ المبيع إلى ما كان عليه قبله ، ويشير إليه ما سيجي‌ء في غير واحدٍ من الروايات من قوله : «معاذ الله أن يجعل لها أجراً!» (٢) فإنّ فيه إشارةً إلى أنّه لو ردّها لا بدّ أن يردّ معها شيئاً تداركاً للجناية ؛ إذ لو كان الوطء مجرّد استيفاء منفعةٍ لم يتوقّف ردّها على ردّ عوض المنفعة ، فإطلاق الأجر عليه في الرواية على طبق ما يتراءى في نظر العرف [من كون هذه الغرامة كأنّها اجرةٌ للوطء (٣)].

وحاصل معناه : أنّه إذا حكمت بالردّ مع أرش جنايتها كان ذلك في الأنظار بمنزلة الأُجرة وهي ممنوعةٌ شرعاً ؛ لأنّ إجارة الفروج غير جائزة. وهذا إنّما وقع من أمير المؤمنين عليه‌السلام مبنيّاً على تقرير رعيّته على ما فعله الثاني من تحريم العقد المنقطع ، فلا يقال : إنّ المتعة مشروعة ، وقد ورد «أنّ المنقطعات مستأجراتٌ» (٤) فلا وجه للاستعاذة بالله من جعل الأُجرة للفروج. هذا ما يخطر عاجلاً بالبال في معنى هذه الفقرة ، والله العالم.

النصوص المستفيضة في المسألة

وكيف كان ، ففي النصوص المستفيضة الواردة في المسألة كفايةٌ :

ففي صحيحة ابن حازم عن أبي عبد الله عليه‌السلام : «في رجلٍ اشترى جاريةً فوقع عليها؟ قال : إن وجد فيها عيباً فليس له أن‌

__________________

(١) تقدّم في الصفحة ٢٨٦.

(٢) يجي‌ء في الصفحة الآتية ، في صحيحة ابن مسلم ورواية ميسّر.

(٣) لم يرد في «ق».

(٤) راجع الوسائل ١٤ : ٤٤٦ ، الباب ٤ من أبواب المتعة ، الحديث ٢ و ٤.

يردّها ، ولكن يردّ عليه بقيمة ما نقَّصها العيب. قلت : هذا قول أمير المؤمنين عليه‌السلام؟ قال : نعم» (١).

وصحيحة ابن مسلم عن أحدهما عليهما‌السلام : «أنّه سئل عن الرجل يبتاع الجارية فيقع عليها ، فيجد بها عيباً بعد ذلك؟ قال : لا يردّها على صاحبها ، ولكن يقوّم ما بين العيب والصحّة ، ويردّ على المبتاع ، معاذ الله أن يجعل لها أجراً!» (٢).

ورواية ميسّر عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : «كان عليٌّ لا يردّ الجارية بعيبٍ إذا وطئت ، ولكن يرجع بقيمة العيب ، وكان يقول : معاذ الله! أن أجعل لها أجراً .. الخبر» (٣).

وفي رواية طلحة بن زيد عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : «قضى أمير المؤمنين عليه‌السلام في رجلٍ اشترى جاريةً فوطأها ، ثمّ رأى فيها عيباً ، قال : تُقوَّم وهي صحيحةٌ ، وتُقوَّم وبها الداء ، ثمّ يردّ البائع على المبتاع فضل ما بين القيمتين (٤)» (٥).

وما عن حمّاد في الصحيح عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، يقول : «قال عليّ بن الحسين عليه‌السلام : كان القضاء الأوّل في الرجل إذا اشترى الأمة فوطأها ، ثمّ ظهر على عيبٍ : أنّ البيع لازمٌ ، وله أرش العيب» (٦) إلى‌

__________________

(١) الوسائل ١٢ : ٤١٤ ، الباب ٤ من أبواب أحكام العيوب ، الحديث ٣.

(٢) الوسائل ١٢ : ٤١٤ ، الباب ٤ من أبواب أحكام العيوب ، الحديث ٤.

(٣) الوسائل ١٢ : ٤١٥ ، الباب ٤ من أبواب أحكام العيوب ، الحديث ٨.

(٤) في «ش» والمصدر : «ما بين الصحّة والداء».

(٥) الوسائل ١٢ : ٤١٤ ، الباب ٤ من أبواب أحكام العيوب ، الحديث ٢.

(٦) الوسائل ١٢ : ٤١٥ ، الباب ٤ من أبواب أحكام العيوب ، الحديث ٧.

غير ذلك ممّا سيجي‌ء.

المشهور أنّ الوطء لا يمنع من الردّ بعيب الحمل مطلقاً والدليل عليه

ثمّ إنّ المشهور استثنوا من عموم هذه الأخبار لجميع أفراد العيب الحمل ، فإنّه عيبٌ إجماعاً ، كما في المسالك (١). إلاّ أنّ الوطء لا يمنع من الردّ به ، بل يردّها ويردّ معها العُشر أو نصفه على المشهور بينهم.

واستندوا في ذلك إلى نصوصٍ مستفيضة :

منها : صحيحة ابن سنان عن أبي عبد الله عليه‌السلام : «عن رجلٍ اشترى جاريةً حُبلى ولم يعلم بحَبَلها ، فوطأها؟ قال : يردّها على الذي ابتاعها منه ، ويردّ عليها (٢) نصف عشر قيمتها لنكاحه إيّاها ، وقد قال عليّ عليه‌السلام : لا تُردّ التي ليست بحُبلى إذا وطأها صاحبها ، ويوضع عنه من ثمنها بقدر العيب إن كان فيها» (٣).

ورواية عبد الملك بن عمرو عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : «لا تردّ التي ليست بحُبلى إذا وطأها صاحبها وله أرش العيب ، وتردّ الحُبلى ويردّ معها نصف عشر قيمتها» (٤). وزاد في الكافي ، قال : وفي رواية اخرى : «إن كانت بكراً فعشر قيمتها ، وإن كانت ثيّباً فنصف عشر قيمتها» (٥).

__________________

(١) المسالك ٣ : ٢٨٧ ٢٨٨ ، وفيه بعد بيان المقدّمة الخامسة من مقدّمات تحرير المسألة التي منها : أنّ الحمل في الأمة عيب ـ : «وهذه المقدّمات كلّها إجماعيّة».

(٢) كذا ، وفي الوسائل : «معها» ، وفي الكافي والتهذيب والاستبصار : عليه.

(٣) الوسائل ١٢ : ٤١٦ ، الباب ٥ من أبواب أحكام العيوب ، الحديث الأوّل ، والصفحة ٤١٤ ، الباب ٤ من أبواب أحكام العيوب ، الحديث الأوّل أيضاً.

(٤) الوسائل ١٢ : ٤١٦ ، الباب ٥ من أبواب أحكام العيوب ، الحديث ٣.

(٥) الكافي ٥ : ٢١٤ ، ذيل الحديث ٣ ، وعنه في الوسائل ١٢ : ٤١٦ ، الباب ٥ من أبواب أحكام العيوب ، الحديث ٤.

ومرسلة ابن أبي عمير عن سعيد بن يسار ، قال : «سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن رجلٍ باع جاريةً حُبلى وهو لا يعلم فنكحها الذي اشترى؟ قال : يردّها ويردّ نصف عشر قيمتها» (١).

ورواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله ، قال : «سألت أبا عبد الله عليه‌السلام عن الرجل يشتري الجارية ، فيقع عليها فيجدها حُبلى؟ قال : تردّ ويردّ معها شيئاً» (٢).

وصحيحة ابن مسلم عن أبي جعفر عليه‌السلام : «في الرجل يشتري الجارية الحُبلى فينكحها؟ قال : يردّها ويكسوها» (٣).

ورواية عبد الملك بن عمرو عن أبي عبد الله عليه‌السلام : «في الرجل يشتري الجارية وهي حُبلى فيطأها؟ قال : يردّها ويردّ عشر قيمتها» (٤).

هذه جملة ما وقفت عليها من الروايات ، وقد عمل بها المشهور ، بل ادّعي على ظاهرها الإجماع في الغنية (٥) كما عن الانتصار (٦) ، وعدم الخلاف في السرائر (٧).

__________________

(١) الوسائل ١٢ : ٤١٧ ، الباب ٥ من أبواب أحكام العيوب ، الحديث ٩.

(٢) الوسائل ١٢ : ٤١٦ ، الباب ٥ من أبواب أحكام العيوب ، الحديث ٥.

(٣) الوسائل ١٢ : ٤١٧ ، الباب ٥ من أبواب أحكام العيوب ، الحديث ٦.

(٤) الوسائل ١٢ : ٤١٧ ، الباب ٥ من أبواب أحكام العيوب ، الحديث ٧.

(٥) الغنية : ٢٢٢.

(٦) حكاه السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ٦٣٤ ، وراجع الانتصار : ٤٣٩ ، المسألة ٢٥١.

(٧) السرائر ٢ : ٢٩٨.