درس مکاسب - خیارات

جلسه ۱۸۱: احکام خیار ۵

مرتضوی
استاد
مرتضوی
 

وأمّا الثانية : فلأنّ مفاد تلك الأدلّة بالنسبة إلى المال المتروك والحقّ المتروك شي‌ءٌ واحدٌ ، ولا يستفاد منها بالنسبة إلى المال الاشتراك وبالنسبة إلى الحقّ التعدّد ، إلاّ مع استعمال الكلام في معنيين.

هذا ، مع أنّ مقتضى ثبوت ما كان للميّت لكلٍّ من الورثة أن يكونوا كالوكلاء المستقلّين ، فيمضي السابق من إجازة أحدهم أو فسخه ، ولا يؤثّر اللاحق ، فلا وجه لتقدّم الفسخ على الإجازة على ما ذكره.

عدم دلالة أدلّة الارث على الوجه الثاني

وأمّا الوجه الثاني : فهو وإن لم يكن منافياً لظاهر أدلّة الإرث : من ثبوت مجموع المتروك لمجموع الوارث ، إلاّ أنّ تجزئة الخيار بحسب متعلّقه كما تقدّم ممّا لم تدلّ عليه أدلّة الإرث. أمّا ما كان منها كالنبوي غير متعرّضٍ للقسمة فواضحٌ ، وأمّا ما تعرّض فيه للقسمة كآيات قسمة الإرث بين الورثة فغاية ما يستفاد منها في المقام بعد ملاحظة عدم انقسام نفس المتروك هنا ثبوتُ القسمة فيما يحصل بإعمال هذا الحقّ أو إسقاطه ، فيقسّم بينهم العين المستردّة بالفسخ ، أو ثمنها الباقي في ملكهم بعد الإجازة على طريق الإرث.

المتيقّن من الأدلّة هو الوجه الثالث

وأمّا ثبوت الخيار لكلٍّ منهم مستقلا في حصّته ، فلا يستفاد من تلك الأدلّة ، فالمتيقّن من مفادها هو ثبوت الخيار الواحد الشخصي للمجموع ، فإن اتّفق المجموع على الفسخ انفسخ في المجموع ، وإلاّ فلا دليل على الانفساخ في شي‌ءٍ منه.

عدم الدليل على المعنى الثاني للوجه الثالث أيضاً

ومن ذلك يظهر : أنّ المعنى الثاني للوجه الثالث وهو قيام الخيار بالطبيعة المتحقّقة في ضمن المجموع أيضاً لا دليل عليه ، فلا يؤثّر فسخ أحدهم وإن لم يجز الآخر ، مع أنّ هذا المعنى أيضاً مخالفٌ لأدلّة الإرث ؛ لما عرفت من أنّ مفادها بالنسبة إلى المال والحقّ واحدٌ ، ومن المعلوم‌

أنّ المالك للمال ليس هو الجنس المتحقّق في ضمن المجموع.

ما ذكرناه جارٍ في كلّ حقٍّ ثبت لمتعدّد

ثم إنّ ما ذكرنا جارٍ في كلّ حقٍّ ثبت لمتعدّدٍ لم يُعلم من الخارج كونه على خصوص واحدٍ من الوجوه المذكورة. نعم ، لو علم ذلك من دليلٍ خارجٍ اتّبع ، كما في حدّ القذف ؛ فإنّ النصّ قد دلّ على أنّه لا يسقط بعفو أحد الشريكين (١) ، وكحقّ القصاص ، فإنّه لا يسقط بعفو أحد الشريكين ، لكن مع دفع الآخر مقدار حصّة الباقي من الدية إلى أولياء المقتصّ منه جمعاً بين الحقّين.

الاشكال على حكم المشهور في حقّ الشفعة والجواب عنه

لكن يبقى الإشكال في حكم المشهور من غير خلافٍ يعرف بينهم وإن احتمله في الدروس (٢) ـ : من أنّ أحد الورثة إذا عفى عن الشفعة كان للآخر الأخذ بكلّ المبيع ، فإنّ الظاهر أنّ قولهم بذلك ليس لأجل دليلٍ خارجيٍّ ، والفرق بينه وبين ما نحن فيه مشكلٌ.

ويمكن أن يفرّق بالضرر ؛ فإنّه لو سقطت الشفعة بعفو أحد الشريكين تضرّر الآخر بالشركة. بل لعلّ هذا هو السرّ في عدم سقوط حدّي القذف والقصاص بعفو البعض ؛ لأنّ الحكمة فيهما التشفّي ، فإبطالهما بعفو أحد الشركاء إضرارٌ على غير العافي ، وهذا غير موجودٍ فيما نحن فيه ، فتأمّل.

ما اخترناه هو مختار العلّامة وولده والشهيدين

ثمّ إنّ ما اخترناه من الوجه الأوّل (٣) هو مختار العلاّمة في القواعد بعد أن احتمل الوجه الثاني وولده في الإيضاح والشهيد في الدروس‌

__________________

(١) راجع الوسائل ١٨ : ٤٥٦ ، الباب ٢٢ من أبواب حدّ القذف ، الحديث ١ و ٢.

(٢) الدروس ٣ : ٣٧٨.

(٣) أي المعنى الأوّل من معنيي الوجه الثالث ، راجع الصفحة ١١٨.

والشهيد الثاني في المسالك ، وحكي عن غيرهم (١).

كلام العلّامة في القواعد

قال في القواعد : وهل للورثة التفريق؟ فيه نظرٌ ، أقربه المنع ، وإن جوّزناه مع تعدّد المشتري (٢). وزاد في الإيضاح بعد توجيه المنع بأنّه لم يكن لمورّثهم إلاّ خيارٌ واحد ـ : أنّه لا وجه لاحتمال التفريق (٣).

وقال في الدروس في باب خيار العيب : لو جوّزنا لأحد المشتريين الردّ لم نجوّزه لأحد الوارثين عن واحدٍ ؛ لأنّ التعدّد طارٍ على العقد سواء كان الموروث خيار العيب (٤) أو غيره (٥) ، انتهى.

وقال في المسالك بعد المنع عن تفرّق المشتريين في الخيار : هذا كلّه فيما لو تعدّد المشتري ، أمّا لو تعدّد مستحقّو (٦) المبيع مع اتحاد المشتري ابتداءً كما لو تعدّد وارث المشتري الواحد فإنّه ليس لهم التفرّق لاتّحاد الصفقة ، والتعدّد طارٍ ، مع احتماله (٧) ، انتهى.

ظاهر كلامه في التذكرة الوجه الأوّل

وظاهر التذكرة في خيار المجلس الوجهُ الأوّل من الوجوه المتقدّمة ، قال : لو فسخ بعضهم وأجاز الآخر فالأقوى أنّه ينفسخ في الكلّ ، كالمورّث لو فسخ في حياته في البعض وأجاز في البعض (٨) ، انتهى.

__________________

(١) راجع مفتاح الكرامة ٤ : ٥٩١ ، ومستند الشيعة ١٤ : ٤١٤ ٤١٥.

(٢) القواعد ٢ : ٦٨.

(٣) إيضاح الفوائد ١ : ٤٨٧.

(٤) في «ش» والمصدر : «عيب».

(٥) الدروس ٣ : ٢٨٥.

(٦) في «ش» : «مستحقّ المبيع» ، وفي المصدر : «المستحقّ للمبيع».

(٧) المسالك ٣ : ٢٨٧.

(٨) التذكرة ١ : ٥١٨.

ويحتمل أن لا يريد بذلك أنّ لكلٍّ منهما ملك الفسخ في الكلّ ، كما هو مقتضى الوجه الأوّل ، بل يملك الفسخ في البعض ويسري في الكلّ ، نظير فسخ المورّث في البعض.

وكيف كان ، فقد ذكر في خيار العيب : أنّه لو اشترى عبداً فمات وخلّف وارثين فوجدا به عيباً لم يكن لأحدهما ردّ حصّته خاصّةً للتشقيص (١) ، انتهى.

وقال في التحرير : لو ورث اثنان عن أبيهما خيار عيبٍ ، فرضي أحدهما ، سقط حقّ الآخر عن (٢) الردّ دون الأرش (٣).

والظاهر أنّ خيار العيب وخيار المجلس واحدٌ ، كما تقدّم عن الدروس (٤). فلعلّه رجوعٌ عمّا ذكره في خيار المجلس.

ثمّ إنّه ربما يحمل ما في القواعد وغيرها : من عدم جواز التفريق (٥) ، على أنّه لا يصحّ تبعّض المبيع (٦) من حيث الفسخ والإجازة ، بل لا بدّ من الفسخ في الكلّ أو الإجازة ، فلا دلالة فيها على عدم استقلال كلٍّ منهم على الفسخ في الكلّ ، وحينئذٍ فإن فسخ أحدهم وأجاز الآخر قُدّم الفسخ على الإجازة.

__________________

(١) التذكرة ١ : ٥٣٦.

(٢) في «ش» والمصدر : «من».

(٣) التحرير ١ : ١٨٣.

(٤) تقدّم في الصفحة المتقدّمة ، ولكنّه قال : «سواء كان الموروث خيار العيب أو غيره».

(٥) القواعد ٢ : ٦٨ ، وراجع مستند الشيعة ١٤ : ٤١٤.

(٦) في محتمل «ق» : «البيع».

ويُنسب تقديم الفسخ إلى كلّ مَن مَنعَ من التفريق ، بل في الحدائق تصريح الأصحاب بتقديم الفاسخ من الورثة على المجيز (١). ولازم ذلك الاتّفاق على أنّه متى فسخ أحدهم انفسخ في الكلّ. وما أبعد بين هذه الدعوى وبين ما في الرياض ، من قوله : ولو اختلفوا يعني الورثة قيل : قُدّم الفسخ ، وفيه نظرٌ (٢).

لكنّ الأظهر في معنى عبارة القواعد ما ذكرنا ، وأنّ المراد بعدم جواز التفريق : أنّ فسخ أحدهم ليس ماضياً مع عدم موافقة الباقين ، كما يدلّ عليه قوله فيما بعد ذلك في باب خيار العيب : إنّه «إذا ورثا خيار عيبٍ (٣) ، فلا إشكال في وجوب توافقهما» (٤) فإنّ المراد بوجوب التوافق وجوبه الشرطي ، ومعناه : عدم نفوذ التخالف ، ولا ريب أنّ عدم نفوذ التخالف ليس معناه عدم نفوذ الإجازة من أحدهما (٥) مع فسخ صاحبه ، بل المراد عدم نفوذ فسخ صاحبه من دون إجازته (٦) ، وهو المطلوب.

وأصرح منه ما تقدّم من عبارة التحرير ثمّ التذكرة (٧). نعم ، ما تقدّم من قوله في الزوجة غير ذات الولد : «أقربه ذلك إن اشترى‌

__________________

(١) الحدائق ١٩ : ٧١.

(٢) الرياض ٨ : ٢٠٣.

(٣) في «ش» : «أمّا لو أورثا خيار العيب».

(٤) القواعد ٢ : ٧٤.

(٥) في «ق» : «أحدهم» ، وهو لا يوافق السياق.

(٦) في «ش» زيادة : «لفسخ صاحبه».

(٧) تقدّمتا في الصفحة المتقدّمة.

بخيارٍ لترث من الثمن» (١) قد يدلّ على أنّ فسخ الزوجة فقط كافٍ في استرجاع تمام الثمن لترث منه ؛ إذ استرداد مقدار حصّتها موجبٌ للتفريق الممنوع عنده وعند غيره.

حاصل الوجه الثالث

وكيف كان ، فمقتضى أدلّة الإرث ثبوت الخيار للورثة على الوجه الثالث الذي اخترناه. وحاصله : أنّه متى فسخ أحدهم وأجاز الآخر لغى الفسخ.

وقد يتوهّم استلزام ذلك بطلان حقّ شخصٍ ، لعدم إعمال الآخر حقّه.

ويندفع : بأنّ الحقّ إذا كان مشتركاً لم يجز إعماله إلاّ برضا الكلّ ، كما لو جعل الخيار لأجنبيين على سبيل التوافق.

فرع :

إذا اجتمع الورثة كلّهم على الفسخ فيما باعه مورّثهم ، فإن كان عين الثمن موجوداً في ملك الميّت دفعوه إلى المشتري ، وإن لم يكن موجوداً أُخرج من مال الميّت ولا يمنعون من ذلك وإن كان على الميّت دينٌ مستغرقٌ للتركة ، لأنّ المحجور له الفسخ بخياره. وفي اشتراط ذلك بمصلحة الديّان وعدمه وجهان. ولو كان مصلحتهم في الفسخ لم يجبروا الورثة (٢) عليه لأنّه حقٌ لهم ، فلا يجبرون على إعماله.

ولو لم يكن للميّت مالٌ ففي وجوب دفع الثمن من مالهم بقدر الحصص وجهان :

__________________

(١) تقدّم في الصفحة ١١٤.

(٢) في «ق» : «الوارث».