درس مکاسب - خیارات

جلسه ۱۸۴: احکام خیار ۸

مرتضوی
استاد
مرتضوی
 

مسألة

هل التصرّف سببٌ أو كاشف؟

هل الفسخ يحصل بنفس التصرّف أو يحصل قبله متّصلاً به؟ وبعبارةٍ اخرى : التصرّف سببٌ أو كاشف؟ فيه وجهان ، بل قولان :

من ظهور كلماتهم في كون نفس التصرّف فسخاً أو إجازةً وأنّه فسخٌ فعليٌّ في مقابل القوليّ ، وظهور اتّفاقهم على أنّ الفسخ بل مطلق الإنشاء لا يحصل بالنيّة ، بل لا بدّ من حصوله بالقول أو الفعل.

وممّا عرفت من التذكرة وغيرها : من تعليل تحقّق الفسخ بصيانة فعل المسلم عن القبيح (١) ، ومن المعلوم : أنّه لا يُصان عنه إلاّ إذا وقع الفسخ قبله ؛ وإلاّ لوقع الجزء الأوّل منه محرّماً.

ويمكن أن يحمل قولهم بكون التصرّف فسخاً على كونه دالاّ عليه وإن لم يتحقّق به ، وهذا المقدار يكفي في جعله مقابلاً للقول. ويؤيّده ما دلّ من الأخبار المتقدّمة (٢) على كون الرضا هو مناط الالتزام بالعقد وسقوط الخيار ، كما اعترف به في الدروس (٣) وصرّح به في التذكرة ،

__________________

(١) راجع الصفحة ١٣١ ١٣٢.

(٢) المتقدّمة في خيار الحيوان في الجزء الخامس ، الصفحة ٩٧ وما بعدها.

(٣) الدروس ٣ : ٢٢٧.

حيث ذكر : «أنّ قصد المتبايعين لأحد عوضي الصرف قبل التصرّف رضاً بالعقد (١) وإن اعتبر كونه مكشوفاً عنه بالتصرّف (٢) ، فمقتضى المقابلة هو كون كراهة العقد باطناً وعدم الرضا به هو الموجب للفسخ إذا كشف عنه التصرّف.

ويؤيّده أنّهم ذكروا : أنّه لا تحصل الإجازة بسكوت البائع ذي الخيار على وطء المشتري ، معلّلاً : بأنّ السكوت لا يدلّ على الرضا (٣) ؛ فإنّ هذا الكلام ظاهرٌ في أنّ العبرة بالرضا. وصرّح في المبسوط : بأنّه لو علم رضاه بوطء المشتري سقط خياره (٤) ، فاقتصر في الإجازة على مجرّد الرضا.

وأمّا ما اتّفقوا عليه : من عدم حصول الفسخ بالنيّة ، فمرادهم بها نيّة الانفساخ ، أعني الكراهة الباطنيّة لبقاء العقد والبناء على كونه منفسخاً من دون أن يدلّ عليها بفعلٍ مقارنٍ له. وأمّا مع اقترانها بالفعل فلا قائل بعدم تأثيره (٥) فيما يكفي فيه الفعل ؛ إذ كلّ ما يكفي (٦)

__________________

(١) التذكرة ١ : ٥١٤ ، وفيه : «لأنّ قصدهما للتبايع رضاً به».

(٢) هكذا وردت العبارة في الأصل ، لكن جاءت عبارة «وإن اعتبر كونه مكشوفاً عنه بالتصرّف» في «ش» بعد قوله : «وسقوط الخيار».

(٣) كما في المبسوط ٢ : ٨٣ ، والغنية : ٢٢١ ، والقواعد ٢ : ٦٩ ، والتذكرة ١ : ٥٣٥ ، وراجع مفتاح الكرامة ٤ : ٦٠١.

(٤) المبسوط ٢ : ٨٣.

(٥) في «ش» : «تأثيرها».

(٦) في ظاهر «ق» : «يكتفى».

فيه الفعل من الإنشاءات ولا يعتبر فيه خصوص القول فهو من هذا القبيل ؛ لأنّ الفعل لا إنشاء فيه ، فالمنشأ يحصل بإرادته المتّصلة بالفعل لا بنفس الفعل ، لعدم دلالته عليه.

نعم ، يلزم من ذلك أن لا يحصل الفسخ باللفظ أصلاً ؛ لأنّ اللفظ أبداً مسبوقٌ بالقصد الموجود بعينه قبل الفعل الدالّ على الفسخ. وقد ذكر العلاّمة في بعض مواضع التذكرة : بأنّ اللازم بناءً على القول بتضمّن الوطء للفسخ عود الملك إلى الواطئ مع الوطء أو قُبيلَه ، فيكون حلالاً (١).

المسألة ذات قولين

هذا ، وكيف كان ، فالمسألة ذات قولين :

ففي التحرير قوّى حرمة الوطء الذي يحصل به الفسخ ، وأنّ الفسخ يحصل بأوّل جزءٍ منه (٢) ، فيكشف عن عدم الفسخ قبله. وهو لازم كلّ من قال بعدم صحّة عقد الواهب الذي يتحقّق به الرجوع ، كما في الشرائع (٣) وعن المبسوط (٤) والمهذّب (٥) والجامع (٦) ، والحكم في باب الهبة والخيار واحدٌ. وتوقّف الشهيد في الدروس في المقامين (٧) مع حكمه‌

__________________

(١) التذكرة ١ : ٥٣٤.

(٢) التحرير ١ : ١٦٨.

(٣) الشرائع ٢ : ٢٣١.

(٤) المبسوط ٣ : ٣٠٤.

(٥) المهذّب ٢ : ٩٥.

(٦) الجامع : ٣٦٧.

(٧) راجع الدروس ٣ : ٢٧١ ، و ٢ : ٢٨٩.

بصحّة رهن ذي الخيار (١).

وجزم الشهيد والمحقّق الثانيان بالحِلّ (٢) ؛ نظراً إلى حصول الفسخ قبله بالقصد المقارن.

ثمرة القولين في المسألة

ثمّ إنّه لو قلنا بحصول الفسخ قُبيل هذه الأفعال فلا إشكال في وقوعها في ملك الفاسخ ، فيترتّب عليها آثارها ، فيصحّ بيعه وسائر العقود الواقعة منه على العين ، لمصادفتهما للملك. ولو قلنا بحصوله بنفس الأفعال ، فينبغي عدم صحّة التصرّفات المذكورة كالبيع والعتق من حيث عدم مصادفتهما لملك العاقد التي هي شرطٌ لصحّتها.

وقد يقرّر المانع بما في التذكرة عن بعض العامّة : من أنّ الشي‌ء الواحد لا يحصل به الفسخ والعقد ، كما أنّ التكبيرة الثانية في الصلاة بنيّة الشروع في الصلاة يخرج بها عن الصلاة ، ولا يشرع بها في الصلاة. وبأنّ (٣) البيع موقوفٌ على الملك الموقوف على الفسخ المتأخّر عن البيع.

وأجاب في التذكرة عن الأوّل بمنع عدم صحّة حصول الفسخ والعقد بشي‌ءٍ واحدٍ بالنسبة إلى شيئين (٤). وأجاب الشهيد عن الثاني بمنع‌

__________________

(١) الدروس ٣ : ٣٩١.

(٢) راجع المسالك ٣ : ٢١٦ ، وجامع المقاصد ٤ : ٣١٠.

(٣) ظاهر العبارة يقتضي أنّ هذا المانع موجود في التذكرة ، ولكن لم نعثر عليه فيها ، نعم نقله السيّد العاملي في مفتاح الكرامة ٤ : ٦٠١ بلفظ : «فاندفع أيضاً ما قيل ..» ، وذكر العلاّمة في التذكرة ١ : ٤٩٠ : «أنّه لو باع شيئاً بشرط أن يبيع إيّاه لم يصحّ .. وجاء الدور».

(٤) التذكرة ١ : ٥٣٨.

الدور التوقّفي ، وأنّ الدور معيٌّ (١).

وقال في الإيضاح : إنّ الفسخ يحصل بأوّل جزءٍ من العقد (٢). وزاد في باب الهبة قوله : فيبقى المحلّ قابلاً لمجموع العقد (٣) ، انتهى.

وقد يستدلّ للصحّة : بأنّه إذا وقع العقد على مال الغير فملكه بمجرّد العقد كان كمن باع مال غيره ثمّ ملكه.

أقول : إن قلنا : بأنّ المستفاد من أدلّة توقّف البيع والعتق على الملك نحو قوله : «لا بيع إلاّ في ملك» (٤) ، و «لا عتق إلاّ في ملك» (٥) هو اشتراط وقوع الإنشاء في ملك المنشئ ، فلا مناص عن القول بالبطلان ؛ لأنّ صحّة العقد حينئذٍ تتوقّف على تقدّم تملّك العاقد على جميع أجزاء العقد لتقع فيه ، فإذا فرض العقد أو جزءٌ من أجزائه فسخاً كان سبباً لتملّك العاقد مقدّماً عليه ؛ لأنّ المسبّب إنّما يحصل بالجزء الأخير من سببه ، فكلّما فرض جزءٌ من العقد قابلٌ للتجزية سبباً للتملّك ، كان التملّك متأخّراً عن بعض ذلك الجزء ، وإلاّ لزم تقدّم وجود المسبّب على السبب. والجزء الذي لا يتجزّأ غير موجودٍ ، فلا يكون سبباً ، مع أنّ غاية الأمر حينئذٍ المقارنة بينه وبين التملّك.

__________________

(١) لم نعثر عليه.

(٢) راجع إيضاح الفوائد ١ : ٤٨٨ ، و ٢ : ٤١٧.

(٣) راجع إيضاح الفوائد ١ : ٤٨٨ ، و ٢ : ٤١٧.

(٤) راجع عوالي اللآلي ٢ : ٢٤٧ ، الحديث ١٦ ، وفيه : «لا بيع إلاّ فيما تملك».

(٥) راجع الوسائل ١٦ : ٧ ٨ ، الباب ٥ من أبواب كتاب العتق ، الأحاديث ١ و ٢ و ٦.