درس مکاسب - خیارات

جلسه ۱۹۳: احکام خیار ۱۷

مرتضوی
استاد
مرتضوی
 

على ما ذكره (١) في الهبة.

وربما ينسب (٢) إلى المبسوط اختيار المشهور فيما إذا صار أحد المتبايعين الذي له الخيار مفلّساً ، حيث حكم بأنّ له الخيار في الإجازة والفسخ ، لأنّه ليس بابتداء ملك ؛ لأنّ الملك قد سبق بالعقد (٣) ، انتهى. لكنّ النسبة لا تخلو عن تأمّلٍ لمن لاحظ باقي العبارة.

وقال ابن سعيد قدس‌سره في الجامع على ما حكي عنه ـ : إنّ المبيع يُملك بالعقد وبانقضاء الخيار ، وقيل : بالعقد ولا ينفذ تصرّف المشتري إلاّ بعد انقضاء خيار البائع (٤) ، انتهى.

الأقوى ما هو المشهور والاستدلال عليه

وقد تقدّم حكاية التوقّف عن ابن الجنيد أيضاً (٥).

وكيف كان ، فالأقوى هو المشهور ؛ لعموم أدلّة حِلّ البيع ، وأكل المال إذا كانت تجارةً عن تراضٍ ، وغيرهما ممّا ظاهره كون العقد علّةً تامّةً لجواز التصرّف الذي هو من لوازم الملك.

ويدلّ عليه لفظ «الخيار» في قولهم عليهم‌السلام : «البيّعان بالخيار» (٦) ، وما دلّ على جواز النظر في الجارية في زمان الخيار إلى ما لا يحلّ له‌

__________________

(١) في «ش» : «على ما ذكرنا».

(٢) نسبه العلاّمة بحر العلوم ، انظر المصابيح (مخطوط) : ١١٦.

(٣) المبسوط ٢ : ٢٦٦.

(٤) الجامع للشرائع : ٢٤٨.

(٥) تقدّم في الصفحة ١٦١.

(٦) راجع الوسائل ١٢ : ٣٤٥ ٣٤٦ ، الباب الأوّل من أبواب أحكام الخيار ، الأحاديث ١ و ٢ و ٣.

قبل ذلك (١) ، فإنّه يدلّ على الحِلّ بعد العقد في زمن الخيار ، إلاّ أن يلتزم بأنّه نظير حِلّ وطء المطلّقة الرجعيّة الذي يحصل به الرجوع.

ويدلّ عليه : ما تقدّم في أدلّة بيع الخيار بشرط ردّ المبيع (٢) : من كون نماء المبيع للمشتري وتلفه منه (٣) فيكشف ذلك عن ثبوت اللزوم وهو الملك ، إلاّ أن يلتزم بعدم كون ذلك من اشتراط الخيار ، بل من باب اشتراط انفساخ البيع بردّ الثمن وقد تقدّم (٤) في مسألة بيع الخيار بيان هذا الاحتمال وما يشهد له من بعض العنوانات ، لكن تقدّم : أنّه بعيدٌ في الغاية أو يقال : إنّ النماء في مورد الرواية نماء المبيع في زمان لزوم البيع ؛ لأنّ الخيار يحدث بردّ مثل الثمن وإن ذكرنا في تلك المسألة : أنّ الخيار في بيع الخيار المعنون عند الأصحاب ليس مشروطاً حدوثه بالردّ (٥) ، إلاّ أنّ الرواية قابلةٌ للحمل عليه ، إلاّ أن يتمسّك بإطلاقه (٦) الشامل لما إذا جعل الخيار من أوّل العقد في فسخه مقيّداً بردّ مثل الثمن.

هذا ، مع أنّ الظاهر أنّ الشيخ يقول بالتوقّف في الخيار المنفصل أيضاً.

__________________

(١) راجع الوسائل ١٢ : ٣٥١ ، الباب ٤ من أبواب الخيار ، الحديثين ١ و ٣.

(٢) في «ش» : «الثمن».

(٣) تقدّم في الجزء الخامس : ١٣٩ في الأمر الخامس ذيل بيع الخيار.

(٤) تقدّم في الجزء الخامس : ١٢٩ في الأمر الأوّل ذيل بيع الخيار.

(٥) في «ش» زيادة : «في أدلّة بيع الخيار».

(٦) كذا في النسخ ، والمناسب : «بإطلاقها».

الاستدلال للقول المشهور بالاخبار الواردة في العينة والمناقشة فيه

وربما يتمسّك بالأخبار الواردة في العينة (١) وهي : أن يشتري الإنسان شيئاً بنسيةٍ ثمّ يبيعه بأقلّ منه في ذلك المجلس نقداً. لكنّها لا دلالة لها من هذه الحيثيّة ؛ لأنّ بيعها على بائعها الأوّل وإن كان في خيار المجلس أو الحيوان ، إلاّ أن بيعه عليه مسقطٌ لخيارهما اتّفاقاً. وقد صرّح الشيخ في المبسوط بجواز ذلك ، مع منعه عن بيعه على غير صاحبه في المجلس (٢).

نعم ، بعض هذه الأخبار يشتمل على فقراتٍ يستأنس بها لمذهب المشهور ، مثل صحيح يسار بن يسار : «عن الرجل يبيع المتاع ويشتريه من صاحبه الذي يبيعه منه؟ قال : نعم لا بأس به. قلت : أشتري متاعي؟ فقال : ليس هو متاعك ولا بقرك ولا غنمك» (٣) فإنّ في ذيلها دلالةً على انتقال المبيع قبل انقضاء الخيار.

ولا استئناس بها أيضاً عند التأمّل ؛ لما عرفت : من أنّ هذا البيع جائزٌ عند القائل بالتوقّف ، لسقوط خيارهما بالتواطؤ على هذا البيع ، كما عرفت التصريح به من المبسوط (٤).

ويذبّ بذلك عن الإشكال المتقدّم نظيره سابقاً (٥) : من أنّ الملك‌

__________________

(١) كما تمسّك بها صاحب الجواهر ، انظر الجواهر ٢٣ : ٨٠ ، وراجع الوسائل ١٢ : ٣٦٩ و ٣٧٥ ، الباب ٥ و ٨ من أبواب أحكام العقود.

(٢) راجع المبسوط ٢ : ٩٦ و ١٤٢ ١٤٤.

(٣) الوسائل ١٢ : ٣٧٠ ، الباب ٥ من أبواب أحكام العقود ، الحديث ٣ ، وفيه بدل «يسار بن يسار» : «بشار بن يسار».

(٤) عرفته آنفاً ، وراجع الصفحة ١٦٤ أيضاً.

(٥) راجع الصفحة ٥٣ ، الشرط السابع من شروط صحّة الشرط ، وراجع ١٣٧ ١٣٨.

إذا حصل بنفس البيع الثاني مع أنّه موقوفٌ على الملك لزم الدور الوارد على من صحّح البيع الذي يتحقّق به الفسخ ، وحينئذٍ فيمكن أن يكون سؤال السائل بقوله : «أشتري متاعي» من جهة ركوز مذهب الشيخ عندهم : من عدم جواز البيع قبل الافتراق ، ويكون جواب الإمام عليه‌السلام مبنيّاً على جواز بيعه على البائع ؛ لأنّ تواطؤهما على البيع الثاني إسقاطٌ للخيار من الطرفين ، كما في صريح المبسوط (١). فقوله : «ليس هو متاعك» إشارةٌ إلى أنّ ما ينتقل إليك بالشراء إنّما انتقل إليك بعد خروجه عن ملكك بتواطُئكما على المعاملة الثانية المسقط لخياركما ، لا بنفس العقد. وهذا المعنى في غاية الوضوح لمن تأمّل في فقه المسألة.

ثمّ لو سلّم ما ذكر من الدلالة أو الاستئناس لم يدفع به إلاّ القول بالوقف (٢) دون الكشف ، كما لا يخفى.

ومثل هذه الرواية في عدم الدلالة ولا الاستئناس صحيحة محمّد ابن مسلم : «عن رجلٍ أتاه رجلٌ فقال : ابتع لي متاعاً (٣) لعلي أشتريه منك بنقدٍ أو بنسيةٍ ، فابتاعه الرجل من أجله؟ قال : ليس به بأسٌ ، إنّما يشتريه منه بعد ما يملكه» (٤).

فإنّ الظاهر : أنّ قوله : «إنّما يشتريه .. إلخ» إشارةٌ إلى أنّ هذا‌

__________________

(١) كما تقدّم عنه في الصفحة ١٦٣ ، المنقول عن باب الصرف.

(٢) في «ش» : «بالنقل».

(٣) في «ق» : «متاعك».

(٤) الوسائل ١٢ : ٣٧٧ ، الباب ٨ من أبواب أحكام العقود ، الحديث ٨.

ليس من بيع ما ليس عندك (١) ، وأنّ بيعه لم يكن قبل استيجاب البيع مع الأوّل ، فقوله : «بعد ما يملكه» إشارةٌ إلى استيجاب العقد مع الأوّل ، كما يظهر من قولهم عليهم‌السلام في أخبارٍ أُخر واردةٍ في هذه المسألة : «ولا توجب البيع قبل أن تستوجبه» (٢) مع أنّ الغالب في مثل هذه المعاملة قيام الرجل إلى مكان غيره ليأخذ منه المتاع ورجوعه إلى منزله لبيعه من صاحبه الذي طلب منه ذلك ، فيلزم العقد الأوّل بالتفرّق. ولو فرض اجتماعهما في مجلسٍ واحدٍ كان تعريضه للبيع ثانياً بحضور البائع دالاّ عرفاً على سقوط خياره ، ويسقط خيار المشتري بالتعريض للبيع.

وبالجملة ، ليس في قوله : «بعد ما يملكه» دلالةٌ على أنّ تملّكه بنفس العقد ، مع أنّها على تقدير الدلالة تدفع النقل لا الكشف ، كما لا يخفى.

ضعف ما استدلّ به في التذكرة أيضاً

ونحوه في الضعف : الاستدلال في التذكرة (٣) بما دلّ على أنّ مال العبد المشترى لمشتريه مطلقاً أو مع الشرط أو علم البائع من غير تقييدٍ بانقضاء الخيار ؛ إذ فيه (٤) : أنّ الكلام مسوقٌ لبيان ثبوت المال للمشتري على نحو ثبوت العبد له ، وأنّه يدخل في شراء العبد حتّى إذا ملك العبد ملك ماله. مع أنّ الشيخ لم يثبت منه هذا القول في الخيار‌

__________________

(١) في «ش» : «عنده».

(٢) الوسائل ١٢ : ٣٧٨ ، الباب ٨ من أبواب أحكام العقود ، الحديث ١٣.

(٣) راجع التذكرة ١ : ٤٩٩ و ٥٣٤.

(٤) في الأصل : «فيها».

المختصّ بالمشتري ، والتمسّك بإطلاق الروايات لما إذا شرط البائع الخيار كما ترى!

أشدّ ضعفاً من الكلّ

وأشدّ ضعفاً من الكلّ ما قيل (١) : من أنّ المقصود للمتعاقدين والذي وقع التراضي عليه انتقال كلٍّ من الثمن والمثمن حال العقد ، فهذه المعاملة إمّا صحيحةٌ كذلك كما عند المشهور (٢) فثبت المطلوب ، أو باطلةٌ من أصلها ، أو أنّها صحيحةٌ إلاّ أنّها على غير ما قصداه وتراضيا عليه.

توضيح الضعف : أنّ مدلول العقد ليس هو الانتقال من حين العقد ، لكنّ الإنشاء لمّا كان علّةً لتحقّق المُنشأ عند تحقّقه كان الداعي على الإنشاء حصول المنشأ عنده ، لكنّ العلّية إنّما هو (٣) عند العرف ، فلا ينافي كونه في الشرع سبباً محتاجاً إلى تحقّق شرائط أُخر بعده ، كالقبض في السلم والصرف ، وانقضاء الخيار في محلّ الكلام. فالعقد مدلوله مجرّد التمليك والتملّك مجرّداً عن الزمان ، لكنّه عرفاً علّةٌ تامّةٌ لمضمونه ، وإمضاء الشارع له تابعٌ لمقتضى الأدلّة ، فليس في تأخير الإمضاء تخلّف أثر العقد عن المقصود المدلول عليه بالعقد ، وإنّما فيه التخلّف عن داعي المتعاقدين ، ولا ضرر فيه.

وقد تقدّم الكلام في ذلك في مسألة كون الإجازة كاشفةً أو ناقلة (٤).

__________________

(١) قاله صاحب الجواهر ، انظر الجواهر ٢٣ : ٧٩.

(٢) في الجواهر : «أمّا صحيحة كذلك عند الشارع فيثبت المطلوب».

(٣) كذا ، والمناسب : «هي».

(٤) راجع الجزء الثالث : ٣٩٩ وما بعدها.

الاستدلال برواية : «الخراج بالضمان» والمناقشة فيه

وقد يستدلّ (١) أيضاً بالنبويّ المشهور المذكور في كتب الفتوى للخاصّة والعامّة على جهة الاستناد إليه وهو : أنّ «الخراج بالضمان» (٢) بناءً على أنّ المبيع في زمان الخيار المشترك أو المختصّ بالبائع في ضمان المشتري ، فخراجه له ، وهي علامة ملكه.

وفيه : أنّه لم يُعلم من القائلين بتوقّف الملك على انقضاء الخيار القول بكون ضمانه على المشتري حتّى يكون نماؤه له.

العمدة في قول المشهور

وقد ظهر بما ذكرنا : أنّ العمدة في قول المشهور عموم أدلّة «حِلّ البيع» و «التجارة عن تراضٍ» وأخبار الخيار.

الاستدلال للقول الآخر بما دلّ على أنّ تلف المبيع في زمان الخيار من مال البائع

واستدلّ للقول الآخر (٣) بما دلّ على كون تلف المبيع من مال البائع في زمان الخيار (٤) ، فيدلّ بضميمة قاعدة «كون التلف من المالك لأنّه مقابل الخراج» على كونه في ملك البائع ، مثل :

صحيحة ابن سنان «عن الرجل يشتري العبد أو الدابّة بشرطٍ إلى يومٍ أو يومين ، فيموت العبد أو الدابّة أو يحدث فيه حدثٌ ، على مَن ضمان ذلك؟ فقال : على البائع حتّى ينقضي الشرط ثلاثة أيّام ويصير المبيع للمشتري ، شرط له البائع أو لم يشترط. قال : وإن كان بينهما شرطٌ أيّاماً معدودةً فهلك في يد المشتري ، فهو‌

__________________

(١) كما استدلّ به في الجواهر ٢٣ : ٨١.

(٢) عوالي اللآلي ١ : ٢١٩ ، الحديث ٨٩ ، وعنه في المستدرك ١٣ : ٣٠٢ ، الباب ٧ من أبواب الخيار ، الحديث ٣.

(٣) وهو القول بأنّ الملك إنّما يتحقّق بانقضاء الخيار.

(٤) استدلّ به في الرياض ٨ : ٢٠٥ ، والجواهر ٢٣ : ٨١.