درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۵: اجتماع امر و نهی ۳

 

وجها. وهذا بخلاف الجهة المبحوث عنها في المسألة الاخرى ، فإنّ البحث فيها عن أنّ النهي في العبادة (١) يوجب فسادها بعد الفراغ عن التوجّه إليها.

نعم ، لو قيل بالامتناع مع ترجيح جانب النهي في مسألة الاجتماع يكون مثل الصلاة في الدار المغصوبة من صغريات تلك المسألة.

فانقدح أنّ الفرق بين المسألتين في غاية الوضوح.

وأمّا ما أفاده في الفصول من الفرق ـ بما هذه عبارته : «ثمّ اعلم أنّ الفرق بين المقام والمقام المتقدّم ـ وهو أنّ الأمر والنهي هل يجتمعان في شيء واحد أو لا؟ ـ أمّا في المعاملات فظاهر (٢) ، وأمّا في العبادات فهو (٣) أنّ النزاع هناك (٤) فيما إذا تعلّق الأمر والنهي بطبيعتين متغايرتين بحسب الحقيقة وإن كان بينهما عموم مطلق ، وهنا فيما إذا اتّحدتا حقيقة وتغايرتا بمجرّد الإطلاق والتقييد بأن تعلّق الأمر بالمطلق والنهي بالمقيّد» (٥) ، انتهى موضع الحاجة (٦) ـ فاسد ، فإنّ مجرّد تعدّد الموضوعات وتغايرها بحسب الذوات لا يوجب التمايز بين المسائل ما لم يكن هناك اختلاف الجهات. ومعه لا حاجة أصلا إلى تعدّدها (٧) ، بل لا بدّ من عقد

__________________

(١) وفي بعض النسخ : «في العبادة أو المعاملة».

(٢) ولعلّ الوجه في الظهور أنّ الأوامر لا تتعلّق بالمعاملات إلّا نادرا ، فلا يتحقّق مورد الاجتماع فيها.

(٣) أي : الفرق.

(٤) أي : في مسألة الاجتماع.

(٥) وحاصل ما أفاده في الفرق بين المسألتين أنّ الموضوع في مسألة اجتماع الأمر والنهي متعدّد حقيقة ، لتعلّق الأمر بطبيعة مغايرة للطبيعة الّتي تعلّق بها النهي ، سواء كانت النسبة بين الطبيعتين عموما من وجه كما في قوله : «صلّ ، ولا تغصب» أم عموما مطلقا كقوله : «أكرم الناطق ، ولا تكرم الشاعر» ، فإنّ الطبيعتين ـ أعني الصلاة والغصب ، والناطق والشاعر ـ متغايرتان. بخلاف الموضوع في مسألة النهي في العبادة ، فإنّ الموضوع فيها متّحد حقيقة ، بأن توجّه النهي إلى ما توجّه به الأمر ، والتغاير إنّما هو في الإطلاق والتقييد ، كقوله : «صلّ ، ولا تصلّ في الثوب المغصوب».

(٦) الفصول الغرويّة : ١٤٠.

(٧) أي : ومع اختلاف جهات البحث لا حاجة أصلا إلى تعدّد الموضوعات.

مسألتين مع وحدة الموضوع وتعدّد الجهة المبحوث عنها (١) ، وعقد مسألة واحدة في صورة العكس (٢) ، كما لا يخفى (٣).

ومن هنا انقدح أيضا فساد الفرق بأنّ النزاع هنا في جواز الاجتماع عقلا ، وهناك في دلالة النهي لفظا ، فإنّ مجرّد ذلك لو لم يكن تعدّد الجهة في البين لا يوجب إلّا تفصيلا في المسألة الواحدة ، لا عقد مسألتين. هذا مع عدم اختصاص النزاع في تلك المسألة بدلالة اللفظ ، كما سيظهر (٤).

__________________

(١) كما كان كذلك في مباحث الأوامر ، فإنّ الموضوع فيها ـ وهو الأمر ـ واحد ، ولكن جهات البحث عن الأمر متعدّدة. فقد يبحث عن كونه ظاهرا في الوجوب ، وقد يبحث عن دلالته على الفور أو التراخي ، وقد يبحث عن دلالته على المرّة أو التكرار ، وهكذا. ولأجل تعدّد جهات البحث عقدوا لكلّ منها مسألة.

(٢) أي : في صورة وحدة جهة البحث وتعدّد الموضوع ، كالاستثناء المتعقّب للجمل المتعدّدة الموضوع التي جهة البحث عنها واحدة ، فلذا عقدت لها مسألة واحدة.

(٣) وذهب المحقّق النائينيّ إلى أنّ المسألتين يفترقان موضوعا وجهة.

أمّا موضوعا : فلأنّ موضوع البحث في مسألة اجتماع الأمر والنهي هو ما إذا تعلّق الأمر بعنوان والنهي بعنوان آخر وكانت النسبة بين العنوانين العموم من وجه. وموضوع البحث في مسألة النهي عن العبادة هو ما إذا تعلّق النهي ببعض ما تعلّق الأمر به على وجه تكون النسبة بين المتعلّقين العموم المطلق.

وأمّا جهة : فلأنّ جهة البحث في مسألة اجتماع الأمر والنهي هو اتّحاد المتعلّقين وعدمه. وهي في مسألة النهي عن العبادة اقتضاء النهي للفساد. فوائد الأصول ٢ : ٤٥٤.

وأفاد المحقّق العراقيّ أنّ الفرق بينهما أنّ الفساد في مسألتنا هذه ـ على الامتناع ـ يدور مدار العلم بالنهي ، لا مدار النهي بوجوده الواقعيّ النفس الأمريّ. بخلافه في مسألة النهي عن العبادة ، فإنّ الفساد فيها ـ على الاقتضاء ـ يدور مدار وجود النهي واقعا وعدمه. نهاية الأفكار ٢ : ٤٥٠ ـ ٤٥١.

وقال السيّد المحقّق الخوئيّ : «إنّ النقطة الرئيسيّة لامتياز إحدى المسألتين عن الاخرى هي أنّ جهة البحث في إحداهما ـ وهي مسألة اجتماع الأمر والنهي ـ صغرويّة ، وفي الاخرى كبرويّة». المحاضرات ٤ : ١٦٦.

والفارق بينهما عند السيّد الإمام الخمينيّ هو اختلافهما في الموضوع والمحمول.

مناهج الوصول ٢ : ١١٠.

(٤) والحاصل : أنّه قد يتخيّل أنّ الفرق بين المسألتين أنّ البحث في هذه المسألة عقليّ ، ـ