درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۱۷: اجتماع امر و نهی ۱۵

 

ومن هنا علم : أنّ الثواب عليه من قبيل الثواب على الإطاعة ، لا الانقياد ومجرّد اعتقاد الموافقة.

وقد ظهر بما ذكرناه وجه حكم الأصحاب بصحّة الصلاة في الدار المغصوبة مع النسيان أو الجهل بالموضوع ، بل أو الحكم ، إذا كان عن قصور ، مع أنّ الجلّ لو لا الكلّ قائلون بالامتناع وتقديم الحرمة ، ويحكمون بالبطلان في غير موارد العذر. فلتكن من ذلك على ذكر (١).

[القول بالامتناع ودليله]

إذا عرفت هذه الامور فالحقّ هو القول بالامتناع ، كما ذهب إليه

__________________

ـ لا يطابق مقصود المصنّف رحمه‌الله في المقام. بيان ذلك : أنّ في قوله : «والنسيان» وجهين :

الأوّل : أن يكون معطوفا على قوله : «موارد الجهل» فيكون معنى العبارة : «يقع المجمع صحيحا في كثير من الموارد ، وهي موارد الجهل وموارد النسيان». وهذا غير مقصود قطعا ، لأنّ المجمع عند المصنّف رحمه‌الله لا يكون صحيحا في تمام موارد الجهل ، بل إنّما يكون صحيحا في موارد الجهل القصوريّ.

الثاني : أن يكون معطوفا على قوله : «غير مورد من موارد الجهل» فيكون معنى العبارة : «يقع المجمع صحيحا في كثير من موارد الجهل وفي كثير من موارد النسيان». وهذا أيضا غير مقصود قطعا ، لأنّ موارد النسيان عبارة عن نسيان الموضوع ونسيان الحكم ونسيان كليهما ، والمجمع صحيح في جميع هذه الموارد ، لاطلاق حديث الرفع ، فلا يصحّ أن يقال : «يقع المجمع صحيحا في كثير من موارد النسيان» ، بل الصحيح ما أثبتناه.

إن قلت : إنّ النسيان أيضا ينقسم إلى قسمين : أحدهما : النسيان عن تقصير ، وهو ما إذا كان النسيان مستندا إلى سوء اختيار المكلّف. وثانيهما : النسيان عن قصور ، وهو فيما إذا لم يكن مستندا إليه. ولا يصحّ المجمع في القسم الثاني. فيصحّ أن يقال : «يقع المجمع صحيحا في كثير من موارد النسيان».

قلت : ظاهر كلام المصنّف رحمه‌الله ـ بعد أسطر ـ : «مع النسيان أو الجهل بالموضوع ، بل أو الحكم ، إذا كان عن قصور» أنّه لم يرتض هذا التقسيم ، وإلّا يقول : «إذا كانا عن قصور».

(١) وناقش المحقّق الخوئيّ فيما أفاده المصنّف رحمه‌الله في هذه المقدّمة من وجوه خمسة ، تركناها خوفا من التطويل. فراجع المحاضرات ٤ : ٢٣١ ـ ٢٤٠.

المشهور (١). وتحقيقه على وجه يتّضح به فساد ما قيل أو يمكن أن يقال من وجوه الاستدلال لسائر الأقوال يتوقّف على تمهيد مقدّمات :

إحداها (٢) : [تضادّ الأحكام الخمسة]

انّه لا ريب في أنّ الأحكام الخمسة متضادّة في مقام فعليّتها وبلوغها إلى مرتبة البعث والزجر ، ضرورة ثبوت المنافاة والمعاندة التامّة بين البعث نحو واحد في زمان والزجر عنه في ذاك الزمان. وإن لم تكن بينها مضادّة ما لم تبلغ إلى تلك المرتبة ، لعدم المنافاة والمعاندة بين وجوداتها الإنشائيّة قبل البلوغ إليها ، كما لا يخفى (٣). فاستحالة اجتماع الأمر والنهي في واحد لا تكون من باب التكليف بالمحال ، بل من جهة أنّه (٤) بنفسه محال (٥) ، فلا يجوز عند من يجوّز التكليف بغير المقدور أيضا.

ثانيتها (٦) : [تعلّق الأحكام بأفعال المكلّفين]

إنّه لا شبهة في أنّ متعلّق الأحكام هو فعل المكلّف وما هو في الخارج يصدر

__________________

(١) منهم صاحب الفصول في الفصول الغرويّة : ١٢٥ ، وصاحب المعالم في معالم الدين : ١٠٧.

ونسبه المحقّق القميّ ـ في القوانين ١ : ١٤٠ ـ إلى الأكثر ، كما وصفه صاحب الفصول بالقول المعروف.

(٢) وفي بعض النسخ : «أحدها». والصحيح ما أثبتناه.

(٣) لا يخفى : أنّ تضادّ الأحكام وإن كان معروفا بين الاصوليّين ، لكن خالفهم المحقّق الأصفهانيّ والسيّد الإمام الخمينيّ. وحاصل ما أفاداه : أنّ التضادّ من أوصاف الأحوال الخارجيّة للأمور العينيّة الشخصيّة. وأمّا البعث والزجر فليسا من الأحوال الخارجيّة ، بل هما من الامور الاعتباريّة ، كما أنّ متعلّقهما ليس من الامور العينيّة ، بل كان من الامور العنوانيّة. فلا موجب لتوهّم اجتماع الضدّين من البعث نحو الشيء والزجر عنه. فالتضادّ بين الأحكام ممّا لا أساس له. نهاية الدراية ١ : ٥٢٥ ، مناهج الوصول ٢ : ١٣٦ ـ ١٣٨.

(٤) أي : التكليف.

(٥) لأنّ اجتماع الأمر والنهي من اجتماع الضدّين ، وهو محال.

(٦) وفي بعض النسخ «ثانيها». والصحيح ما أثبتناه.

عنه وهو فاعله وجاعله (١) ؛ لا ما هو اسمه ـ وهو واضح ـ ؛ ولا ما هو عنوانه ممّا قد انتزع عنه ـ بحيث لو لا انتزاعه تصوّرا واختراعه ذهنا لما كان بحذائه (٢) شيء خارجا ـ ويكون خارج المحمول (٣) كالملكيّة والزوجيّة والرقيّة والحرّيّة والغصبيّة إلى غير ذلك من الاعتبارات والإضافات ، ضرورة أنّ البعث ليس نحوه ، والزجر لا يكون عنه (٤) ، وإنّما يؤخذ في متعلّق الأحكام آلة للحاظ متعلّقاتها والإشارة إليها بمقدار الغرض منها والحاجة إليها ، لا بما هو هو وبنفسه وعلى استقلاله وحياله.

__________________

(١) هكذا في النسخ ، والاولى أن يقول : «وهو ما فاعله وجاعله».

ولا يخفى : أنّ تعلّق الأحكام بفعل المكلّف وما يصدر عنه في الخارج ممنوع ، لأنّه متوقّف على وجوده قبل تعلّق الأحكام ، والبعث إلى إيجاد الموجود تحصيل للحاصل ، كما أنّ الزجر عمّا وجد في الخارج ممتنع. فلا يتعلّق الأحكام بالوجود الخارجيّ.

ولذا استشكل المحقّق الاصفهانيّ في هذه المقدّمة وذهب إلى أنّ متعلّق الأحكام هو العنوان بما هو مرآة للمعنون وفان فيه ، فيكون فناء العنوان في المعنون مصحّحا لتعلّق التكليف به. نهاية الدراية ١ : ٥٢٧ ـ ٥٢٨.

واستشكل فيها السيّد الإمام الخمينيّ أيضا ، وذهب إلى أنّ الأحكام لا يتعلّق بالمعنون بما أنّه موجود في الخارج ، كما لا يتعلّق بالعنوان بما أنّه موجود في الذهن. أمّا الأوّل : فواضح ـ لما مرّ ـ. وأمّا الثاني : فلأنّه غير ممكن الانطباق على الخارج. بل الأحكام تتعلّق بالطبيعة بما هي هي ، وإن كان ظرف تعلّقها بها هو الذهن. فمتعلّق الهيئة في قوله : «صلّ» هو الماهيّة لا بشرط ، ومفاد الهيئة هو البعث والتحريك إلى تحصيلها. مناهج الوصول ٢ : ١٣٠.

وذهب المحقّق النائينيّ إلى أنّ الأحكام تتعلّق بالطبيعة باعتبار مرآتيّتها للوجود الخارجيّ. فوائد الاصول ٢ : ٤٠١.

(٢) أي : بحذاء المعنون.

(٣) والمراد من خارج المحمول في المقام هو ما ينتزع من حاقّ الموضوع ويحمل عليه من دون أن يكون له ما بإزاء في الخارج ، فإنّ عنوان الملكيّة ـ مثلا ـ ينتزع من فعل المكلّف ويحمل عليه من دون أن يكون له ما بإزاء في الخارج.

وقد مرّت الإشارة إلى الفرق بين خارج المحمول والمحمول بالضميمة فيما علّقت على مباحث المشتقّ ، فراجع الجزء الأوّل : ١١٠.

(٤) الضمير في قوله : «نحوه» و «عنه» يرجع إلى العنوان.

ثالثتها (١) : [تعدّد العنوان لا يستلزم تعدّد المعنون]

انّه لا يوجب تعدّد الوجه والعنوان تعدّد المعنون ، ولا تنثلم به وحدته ، فإنّ المفاهيم المتعدّدة والعناوين الكثيرة ربما تنطبق على الواحد وتصدق على الفارد الّذي لا كثرة فيه من جهة ، بل بسيط من جميع الجهات ، ليس فيه حيث غير حيث ، وجهة مغايرة لجهة أصلا ، كالواجب تبارك وتعالى ، فهو على بساطته ووحدته وأحديّته تصدق عليه مفاهيم الصفات الجلاليّة والجماليّة. له الأسماء الحسنى والأمثال العليا ، لكنّها بأجمعها حاكية عن ذاك الواحد الفرد الأحد.

عباراتنا شتّى وحسنك واحد

وكلّ إلى ذاك الجمال يشير (٢)

رابعتها : [الواحد وجودا واحد ماهيّة وذاتا]

انّه لا يكاد يكون للموجود بوجود واحد إلّا ماهيّة واحدة وحقيقة فاردة ، لا يقع في جواب السؤال عن حقيقته بما هو إلّا تلك الماهيّة ؛ فالمفهومان المتصادقان على ذاك لا يكاد يكون كلّ منهما ماهيّة وحقيقة كانت عينه في الخارج ، كما هو شأن الطبيعيّ وفرده ، فيكون الواحد وجودا واحدا ماهيّة وذاتا لا محالة ؛ فالمجمع وإن تصادق عليه متعلّقا الأمر والنهي ، إلّا أنّه كما يكون واحدا وجودا يكون

__________________

(١) وفي بعض النسخ : «ثالثها». والصحيح ما أثبتناه.

(٢) لا يخفى : أنّ غاية ما برهن عليه المصنّف رحمه‌الله أنّ تعدّد العنوان لا يكشف عن تعدّد المعنون.

ومعلوم أنّ عدم الكشف أعمّ من أن يكون المعنون في الواقع واحدا أو متعدّدا. فلم يبرهن على أنّ المعنون واحد في جميع موارد الاجتماع.

ومن هنا استشكل المحقّق الأصفهانيّ في كليّة هذه الدعوى ، وذهب إلى أنّ تعدّد العنوان قد يستلزم تعدّد المطابق خارجا ، وقد لا يستلزمه ، فإنّ البرهان قد يقوم على استحالة كون الشيء الواحد مطابقا لمفهومين ، فيكونا متقابلين كالعلّيّة والمعلوليّة ؛ وقد لا يقوم عليها ، فلا يمتنع أن يكون الشيء الواحد مطابقا لمفهومين. وهذه المفاهيم إن كان مبدئها في مرتبة الذات فلا يستدعي العنوان ومبدأه مطابقين ، وإن كان في مرتبة متأخّرة عن ذاته فيكون للمبدا وجود مغاير للذات قائم بها ، فيستدعي العنوان ومبدأه مطابقين. نهاية الدراية ١ : ٥٢٩.

واحدا ماهيّة وذاتا ؛ ولا يتفاوت فيه القول بأصالة الوجود أو أصالة الماهيّة.

ومنه ظهر عدم ابتناء القول بالجواز والامتناع في المسألة على القولين (١) في تلك المسألة ـ كما توهّم في الفصول (٢) ـ ، كما ظهر عدم الابتناء على تعدّد وجود الجنس والفصل في الخارج وعدم تعدّده ، ضرورة عدم كون العنوانين المتصادقين عليه من قبيل الجنس والفصل له ، وأنّ مثل الحركة في دار ـ من أيّ مقولة كانت ـ لا يكاد تختلف حقيقتها وماهيّتها ويتخلّف ذاتيّاتها ، وقعت جزء للصلاة أو لا ، كانت تلك الدار مغصوبة أولا (٣).

__________________

(١) أي : القول بأصالة الوجود والقول بأصالة الماهيّة.

(٢) هكذا في جميع النسخ ، والأولى أن يحذف قوله : «كما توهّم في الفصول» وأن يقول عقيب قوله : «وعدم تعدّده» : «كما توهّما في الفصول».

وذلك لأنّ الظاهر من كتاب الفصول : ١٢٦ أنّ صاحب الفصول توهّم أمرين :

أحدهما : أنّ القول بالجواز يبتني على القول بأصالة الماهيّة ، لأنّ الماهيّة ـ بناء على أصالتها ـ متعدّدة في مورد الاجتماع ، ضرورة أنّ ماهيّة الصلاة غير ماهيّة اخرى : فإذن كانتا متعدّدتين ؛ ولا مناص من تعلّق الأمر بأحدهما والنهي بالآخر. والقول بالامتناع يبتني على القول بأصالة الوجود ، لأنّ الوجود في مورد الاجتماع واحد ، والوجود الواحد يستحيل أن يكون مصداقا للمأمور به والمنهي عنه.

وثانيهما : ابتناء القول بالجواز على تعدّد وجود الجنس والفصل ، والقول بالامتناع على اتّحاد وجودهما. وذلك لأنّه إن كان مورد الأمر الماهيّة الجنسيّة ومورد النهي الماهيّة الفصليّة وكانت الماهيّتان موجودتين بوجود واحد فلا مناص من القول بالامتناع ، وإن كانتا متعدّدتين في الوجود فلا مناص من القول بالجواز.

والمصنّف دفع التوهّمين بما ذكره في هذه المقدّمة من أنّه لا يعقل أن يكون لوجود واحد ماهيّتان. فظهر فساد التوهّم الأوّل ، لأنّ المجمع إذا كان له وجود واحد فلا محالة يكون له ماهيّة واحدة ، ولا يعقل أن تكون له ماهيّتان حقيقيّتان ، سواء قلنا بأصالة الوجود أو أصالة الماهيّة.

وظهر أيضا فساد التوهّم الثاني ، لأنّ المجمع إذا كان له وجود واحد فلا تكون له ماهيّتان لتكون أحدهما جنسا والآخر فصلا. فما نحن فيه من قبيل القضيّة السالبة بانتفاء الموضوع.

(٣) وقد عرفت أنّ صدق العناوين المتعدّدة لا تكاد تنثلم به وحدة المعنون ، لا ذاتا ولا وجودا ، غايته أن تكون له خصوصيّة بها يستحقّ الاتّصاف بها ، و [يكون] محدودا بحدود موجبة لانطباقها عليه كما لا يخفى. وحدوده ومختصّاته لا توجب تعدّده بوجه أصلا ، فتدبّر جيّدا. منه [أعلى الله مقامه].