درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۳۵: اجتماع امر و نهی ۳۳

 

فكما لا تكون الفرعيّة مانعة عن مطلوبيّته (١) قبله وبعده (٢) ، كذلك لم تكن مانعة عن مطلوبيّته (٣) ، وإن كان العقل يحكم بلزومه إرشادا إلى اختيار أقلّ المحذورين وأخفّ القبيحين.

ومن هنا ظهر حال شرب الخمر علاجا وتخلّصا عن المهلكة ، وأنّه إنّما يكون مطلوبا على كلّ حال لو لم يكن الاضطرار إليه بسوء الاختيار ، وإلّا فهو على ما هو عليه من الحرمة ، وإن كان العقل يلزمه إرشادا إلى ما هو أهمّ وأولى بالرعاية من تركه ، لكون الغرض فيه أعظم. فمن ترك الاقتحام فيما يؤدّي إلى هلاك النفس ، أو شرب الخمر لئلّا يقع في أشدّ المحذورين منهما ، فيصدق أنّه تركهما ولو بتركه ما لو فعله لأدّى لا محالة إلى أحدهما ، كسائر الأفعال التوليديّة ، حيث يكون العمد إليها بالعمد إلى أسبابها واختيار تركها بعدم العمد إلى الأسباب. وهذا يكفي في استحقاق العقاب على الشرب للعلاج وإن كان لازما عقلا للفرار عمّا هو أكثر عقوبة.

ولو سلّم عدم الصدق إلّا بنحو السالبة المنتفية بانتفاء الموضوع فهو غير ضائر بعد تمكّنه من الترك ـ ولو على نحو هذه السالبة ـ ومن الفعل بواسطة تمكّنه ممّا هو من قبيل الموضوع (٤) في هذه السالبة فيوقع نفسه بالاختيار في المهلكة أو يدخل الدار فيعالج بشرب الخمر ويتخلّص بالخروج أو يختار ترك الدخول والوقوع فيها (٥) ، لئلّا يحتاج إلى التخلّص والعلاج.

إن قلت : كيف يقع مثل الخروج والشرب ممنوعا عنه شرعا ومعاقبا عليه عقلا مع بقاء ما يتوقّف عليه على وجوبه ، وسقوط الوجوب (٦) مع امتناع المقدّمة

__________________

(١) أي : عن مطلوبيّة البقاء.

(٢) أي : قبل الدخول وبعد الدخول.

(٣) أي : مطلوبيّة الخروج.

(٤) وهو الدخول.

(٥) وفي بعض النسخ : «فيهما» ، والأولى ما أثبتناه ، فإنّ الضمير يرجع إلى المهلكة.

(٦) وفي بعض النسخ : «لسقوط الوجوب» ، وفي بعض آخر : «ووضوح سقوط الوجوب». ومعنى العبارة ـ على ما في المتن ـ : والحال أنّ وجوب ذي المقدّمة يسقط مع امتناع المقدّمة المنحصرة. ـ

المنحصرة ولو كان بسوء الاختيار ، والعقل قد استقلّ بأنّ الممنوع شرعا كالممتنع عادة أو عقلا؟! (١)

قلت : أوّلا : إنّما كان الممنوع كالممتنع إذا لم يحكم العقل بلزومه (٢) إرشادا إلى ما هو أقلّ المحذورين. وقد عرفت (٣) لزومه بحكمه ، فإنّه مع لزوم الإتيان بالمقدّمة عقلا لا بأس في بقاء (٤) ذي المقدّمة على وجوبه ، فإنّه حينئذ ليس من التكليف بالممتنع ، كما إذا كانت المقدّمة ممتنعة (٥).

وثانيا : لو سلّم فالساقط إنّما هو الخطاب فعلا بالبعث والإيجاب ، لا لزوم إتيانه عقلا ، خروجا عن عهدة ما تنجّز عليه سابقا ، ضرورة أنّه لو لم يأت به لوقع

__________________

(١) حاصل الإشكال : أنّه كيف تقع المقدّمة ـ كالخروج والشرب ـ حراما شرعا ومعاقبا عليه عقلا مع بقاء ذي المقدّمة ـ وهو التخلّص عن الغصب وعدم الوقوع في المهلكة ـ على الوجوب؟! ضرورة أنّه لا يمكن الجمع بين حرمة المقدّمة ووجوب ذيها ، فإنّ حرمة المقدّمة المنحصرة تنافي التكليف بما يتوقّف عليها ، لأنّه تكليف بما لا يطاق. فلا بدّ إمّا من سقوط الوجوب عن ذي المقدّمة ولم يلتزم به أحد في المقام ، وإمّا من سقوط حرمة المقدّمة ، فلا يكون مثل الخروج والشرب حراما ، وهو المطلوب.

(٢) أي : لزوم الممتنع شرعا.

(٣) في الصفحة السابقة ، حيث قال : «وإن كان العقل يلزمه إرشادا ...».

(٤) هكذا في النسخ. والأولى أن يقول : «لا بأس ببقاء ...».

(٥) توضيح الجواب الأوّل : أنّ المراد من قاعدة «الممنوع شرعا كالممتنع عقلا» أنّ المقدّمة الممنوعة شرعا نظير المقدّمة الممتنعة عقلا في عدم القدرة على الإتيان بها ، وبامتناعها يمتنع التكليف بذي المقدّمة الّذي لا يمكن إتيانه إلّا بعد إتيان المقدّمة ، لأنّه من التكليف بغير المقدور.

ولكن هذه القاعدة إنّما تجري فيما إذا لم يحكم العقل بلزوم إتيان الممنوع شرعا ، وأمّا إذا حكم العقل بلزوم إتيانه ـ ولو كان ممنوعا شرعا ـ فلا بأس بأن لا يكون كالممتنع عقلا ، إذ لا يكون التكليف به ـ حينئذ ـ من التكليف بالممتنع. كيف ويحكم العقل بلزوم إتيانه إرشادا إلى ما هو أقلّ المحذورين؟ وما نحن فيه من هذا القبيل ، فإنّ الخروج عن الدار المغصوبة وإن كان ممنوعا شرعا بالنهي السابق إلّا أنّ العقل يحكم بإتيانه ، لكون ارتكابه أقلّ محذورا من البقاء في المغصوب.

في المحذور الأشدّ ونقض الغرض الأهمّ ، حيث إنّه الآن كما كان عليه من الملاك والمحبوبيّة بلا حدوث قصور أو طروء فتور (١) فيه أصلا ، وإنّما كان سقوط الخطاب لأجل المانع ، وإلزام العقل به لذلك (٢) إرشادا كاف لا حاجة معه إلى بقاء الخطاب بالبعث إليه والإيجاب له فعلا ، فتدبّر جيّدا (٣).

__________________

(١) وفي النسخة المطبوعة المذيّلة بحواشي العلّامة المشكينيّ ١ : ٢٦٩ «طروّ فطور» ، ولكنّه غلط.

(٢) أي : إلزام العقل بإتيان ذي المقدّمة للخروج عن العهدة.

(٣) وحاصل الجواب الثاني : أنّه لو سلّمنا سقوط وجوب ذي المقدّمة لكونه منافيا لحرمة مقدّمته حتّى فيما إذا حكم العقل بلزومها ، فنقول : إنّما يسقط بالمنافاة فعليّة البعث والإيجاب بذي المقدّمة ، فحرمة المقدّمة تمنع عن فعليّة وجوب ذيها فقط. وأمّا ملاكه فهو باق على حاله بعد الاضطرار ، كما كان عليه قبله. ولذا يحكم العقل بلزوم الإتيان به خروجا عن عهدة ما تنجّز عليه قبل الاضطرار. ومع هذا الحكم العقليّ لا حاجة إلى الخطاب الفعليّ الشرعيّ. وحينئذ يحكم بوجوب إتيان ذي المقدّمة بعد إتيان مقدّمته بحكم العقل.

ولا يخفى : أنّ المحقّق النائينيّ ذهب إلى أنّ المورد إن كان من موارد قاعدة «الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار» فالحقّ ما ذهب إليه المصنّف رحمه‌الله ، وإن لم يكن من مواردها فالحقّ ما اختاره الشيخ الأنصاريّ ، ولكن المورد ليس من موارد القاعدة المزبورة ، فالمختار هو رأي الشيخ الأنصاريّ.

ثمّ استدلّ على مدّعاه بوجوه :

الأوّل : أنّ هذه القاعدة إنّما تجري في مورد يكون خارجا عن قدرة المكلّف ، كالحجّ يوم عرفة لمن ترك مقدّمته باختياره. ومعلوم أنّ الخروج ليس كذلك ، بل يكون مقدورا.

الثاني : أنّ مجرى القاعدة ما إذا كان ملاك الوجوب ثابتا للعمل في ظرفه مطلقا ، من دون فرق بين أن تكون مقدّمته موجودة في الخارج أو غير موجودة ، كوجوب الحجّ. وما نحن فيه ليس كذلك ، لأنّ ملاك الوجوب ثابت للخروج بعد الدخول ، وبدونه لا يكون الخروج واجدا للملاك.

الثالث : أنّ مورد القاعدة ما إذا كان وجود المقدّمة موجبا للقدرة على المكلّف به ، ليكون الآتي به قابلا لتوجيه التكليف إليه فعلا. وما نحن فيه على العكس ، لأنّ وجود الدخول ـ وهو مقدّمة للخروج ـ يوجب الاضطرار إلى الخروج.

الرابع : أنّ الخروج في المقام واجب عقلا. وهذا يكشف عن كونه مقدورا وقابلا لتعلّق التكليف به. ومورد القاعدة ما إذا كان الفعل غير قابل لتعلّق التكليف به ، لامتناعه. فوائد الاصول ٢ : ٤٤٧ ـ ٤٥٠. ـ

[٣ ـ مختار صاحب الفصول وما فيه]

وقد ظهر ممّا حقّقناه فساد القول بكونه مأمورا به مع إجراء حكم المعصية عليه نظرا إلى النهي السابق (١).

مع ما فيه من لزوم اتّصاف فعل واحد بعنوان واحد بالوجوب والحرمة.

ولا ترتفع غائلته (٢) باختلاف زمان التحريم والإيجاب قبل الدخول وبعده ـ كما في الفصول (٣) ـ مع اتّحاد زمان الفعل المتعلّق لهما ، وإنّما المفيد اختلاف زمانه (٤) ولو مع اتّحاد زمانهما. وهذا أوضح من أن يخفى ، كيف ولازمه وقوع الخروج بعد الدخول عصيانا للنهي السابق وإطاعة للأمر اللاحق فعلا ، ومبغوضا ومحبوبا كذلك بعنوان واحد؟ وهذا ممّا لا يرضى به القائل بالجواز فضلا عن القائل بالامتناع.

كما لا يجدي في رفع هذه الغائلة كون النهي مطلقا وعلى كلّ حال وكون الأمر مشروطا بالدخول ، ضرورة منافاة حرمة شيء كذلك مع وجوبه في بعض الأحوال.

[٤ ـ مختار أبي هاشم والمحقّق القميّ والإيراد عليه]

وأمّا القول بكونه مأمورا به ومنهيّا عنه (٥) : ففيه ـ مضافا إلى ما عرفت من امتناع الاجتماع فيما إذا كان بعنوانين ، فضلا عمّا إذا كان بعنوان واحد ، كما في

__________________

ـ وأجاب السيّد المحقّق الخوئيّ عن الوجوه الأربعة بعد ما اختار مذهب المصنّف رحمه‌الله ، فراجع المحاضرات ٤ : ٣٧٦ ـ ٣٨٨.

(١) وهذا ما ذهب إليه صاحب الفصول ، ونسبه إلى الفخر الرازيّ. وقوّاه السيّد محمّد كاظم الطباطبائيّ اليزديّ. فراجع الفصول الغرويّة : ١٣٨ ، ورسالة في اجتماع الأمر والنهي : ١٥٥.

(٢) أي : غائلة اتّصاف فعل واحد بعنوان واحد بالوجوب والحرمة.

(٣) الفصول الغرويّة : ١٣٨.

(٤) أي : زمان الفعل المتعلّق لهما.

(٥) وهو مذهب أبي هاشم. واختاره المحقّق القميّ في القوانين ١ : ١٥٣.