درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۴۱: اجتماع امر و نهی ۳۹

 

هناك مانع عن تأثير المقتضي للنهي له أو عن فعليّته ، كما مرّ تفصيله (١).

[وجوه ترجيح النهي على الأمر]

وكيف كان فلا بدّ في ترجيح أحد الحكمين من مرجّح. وقد ذكروا لترجيح النهي وجوها (٢) :

منها : أنّه أقوى دلالة ، لاستلزامه انتفاء جميع الأفراد بخلاف الأمر.

وقد أورد عليه : بأنّ ذلك فيه (٣) من جهة إطلاق متعلّقه بقرينة الحكمة ، كدلالة الأمر على الاجتزاء بأيّ فرد كان (٤).

وقد اورد عليه (٥) : بأنّه لو كان العموم المستفاد من النهي بالإطلاق بمقدّمات الحكمة وغير مستند إلى دلالته عليه بالالتزام ، لكان استعمال مثل «لا تغصب» في بعض أفراد الغصب حقيقة (٦) ؛ وهذا واضح الفساد (٧). فتكون دلالته على العموم من جهة أنّ وقوع الطبيعة في حيّز النفي أو النهي يقتضي عقلا سريان الحكم إلى جميع الأفراد ، ضرورة عدم الانتهاء عنها أو انتفائها إلّا بالانتهاء عن الجميع أو انتفائه (٨).

__________________

(١) مرّ تفصيله في الأمر العاشر من الامور المتقدّمة على المقصود. فراجع الصفحة : ٢٨ من هذا الجزء.

(٢) تعرّض لها المحقّق القميّ في القوانين ١ : ١٥٣ ، وصاحب الفصول في الفصول الغرويّة : ٢٧ ، والشيخ الأنصاريّ في مطارح الأنظار : ١٢٥.

(٣) أي : انتفاء جميع الأفراد في النهي.

(٤) والحاصل : أنّ النهي والأمر متساويان في الدلالة على العموم ، فإنّ دلالة كلّ من الأمر والنهي على العموم تكون بمقدّمات الحكمة ، فلا فرق بينهما إلّا من جهة أنّ العموم في النهي شموليّ وفي الأمر بدليّ ، وهذا يوجب أقوائيّة دلالة النهي من دلالة الأمر.

(٥) أي : على الإيراد المذكور.

(٦) بناء على أنّ استعمال المطلق في المقيّد يكون على نحو الحقيقة.

(٧) لأنّ المتبادر من لفظ النهي هو الإطلاق وعدم الخصوصيّة ، فيكون استعماله في البعض مجازا.

(٨) والحاصل : أنّ النهي يدلّ على العموم بذاته لا بمقدّمات الحكمة. فإذن يتبيّن أقوائيّة دلالة النهي على العموم الاستغراقيّ من دلالة الأمر على العموم البدليّ.

قلت : دلالتهما (١) على العموم والاستيعاب ظاهرا ممّا لا ينكر ، لكنّه من الواضح أنّ العموم المستفاد منهما كذلك (٢) إنّما هو بحسب ما يراد من متعلّقهما ، فيختلف سعة وضيقا ؛ فلا يكاد يدلّ على استيعاب جميع الأفراد إلّا إذا أريد منه الطبيعة مطلقة وبلا قيد (٣) ؛ ولا يكاد يستظهر ذلك (٤) ـ مع عدم دلالته عليه (٥) بالخصوص ـ إلّا بالإطلاق وقرينة الحكمة ، بحيث لو لم يكن هناك قرينتها ـ بأن يكون الإطلاق في غير مقام البيان ـ لم يكد يستفاد استيعاب أفراد الطبيعة. وذلك لا ينافي دلالتهما على استيعاب أفراد ما يراد من المتعلّق ، إذ الفرض عدم الدلالة على أنّه المقيّد أو المطلق.

اللهمّ إلّا أن يقال : إنّ في دلالتهما على الاستيعاب كفاية ودلالة على أنّ المراد من المتعلّق هو المطلق ـ كما ربما يدّعى (٦) ذلك في مثل : «كلّ رجل» ـ وأنّ مثل لفظة «كلّ» تدلّ على استيعاب جميع أفراد الرجل من غير حاجة إلى ملاحظة إطلاق مدخوله وقرينة الحكمة ، بل يكفي إرادة ما هو معناه ـ من الطبيعة المهملة ولا بشرط ـ في دلالته على الاستيعاب ، وإن كان لا يلزم مجاز أصلا لو اريد منه خاصّ بالقرينة ، لا فيه (٧) ، لدلالته على استيعاب أفراد ما يراد من المدخول ، ولا فيه (٨) إذا كان بنحو تعدّد الدالّ والمدلول ، لعدم استعماله إلّا فيما وضع له ، والخصوصيّة مستفادة من دالّ آخر ، فتدبّر.

__________________

(١) أي : دلالة النهي والنفي.

(٢) أي : على نحو الاستيعاب.

(٣) وأورد عليه المحقّق الأصفهانيّ بما لفظه : «لا يخفى عليك : أنّ الإرادة لمجرّد إفادة السلب ، والسلب بما هو لا يدلّ على العموم والاستيعاب». نهاية الدراية ١ : ٥٦٨.

(٤) أي : إطلاق الطبيعة.

(٥) أي : عدم دلالة المتعلّق على الإطلاق. والأولى أن يقول : «مع عدم دلالة عليه بالخصوص».

(٦) راجع الفصول الغرويّة : ١٦١ ، والقوانين ١ : ١٩٧.

(٧) أي : لا في مثل لفظ «كلّ» وغيره من أداة العموم.

(٨) أي : ولا في المدخول.