درس کفایة الاصول - نواهی

جلسه ۴۲: اجتماع امر و نهی ۴۰

 

قلت : دلالتهما (١) على العموم والاستيعاب ظاهرا ممّا لا ينكر ، لكنّه من الواضح أنّ العموم المستفاد منهما كذلك (٢) إنّما هو بحسب ما يراد من متعلّقهما ، فيختلف سعة وضيقا ؛ فلا يكاد يدلّ على استيعاب جميع الأفراد إلّا إذا أريد منه الطبيعة مطلقة وبلا قيد (٣) ؛ ولا يكاد يستظهر ذلك (٤) ـ مع عدم دلالته عليه (٥) بالخصوص ـ إلّا بالإطلاق وقرينة الحكمة ، بحيث لو لم يكن هناك قرينتها ـ بأن يكون الإطلاق في غير مقام البيان ـ لم يكد يستفاد استيعاب أفراد الطبيعة. وذلك لا ينافي دلالتهما على استيعاب أفراد ما يراد من المتعلّق ، إذ الفرض عدم الدلالة على أنّه المقيّد أو المطلق.

اللهمّ إلّا أن يقال : إنّ في دلالتهما على الاستيعاب كفاية ودلالة على أنّ المراد من المتعلّق هو المطلق ـ كما ربما يدّعى (٦) ذلك في مثل : «كلّ رجل» ـ وأنّ مثل لفظة «كلّ» تدلّ على استيعاب جميع أفراد الرجل من غير حاجة إلى ملاحظة إطلاق مدخوله وقرينة الحكمة ، بل يكفي إرادة ما هو معناه ـ من الطبيعة المهملة ولا بشرط ـ في دلالته على الاستيعاب ، وإن كان لا يلزم مجاز أصلا لو اريد منه خاصّ بالقرينة ، لا فيه (٧) ، لدلالته على استيعاب أفراد ما يراد من المدخول ، ولا فيه (٨) إذا كان بنحو تعدّد الدالّ والمدلول ، لعدم استعماله إلّا فيما وضع له ، والخصوصيّة مستفادة من دالّ آخر ، فتدبّر.

__________________

(١) أي : دلالة النهي والنفي.

(٢) أي : على نحو الاستيعاب.

(٣) وأورد عليه المحقّق الأصفهانيّ بما لفظه : «لا يخفى عليك : أنّ الإرادة لمجرّد إفادة السلب ، والسلب بما هو لا يدلّ على العموم والاستيعاب». نهاية الدراية ١ : ٥٦٨.

(٤) أي : إطلاق الطبيعة.

(٥) أي : عدم دلالة المتعلّق على الإطلاق. والأولى أن يقول : «مع عدم دلالة عليه بالخصوص».

(٦) راجع الفصول الغرويّة : ١٦١ ، والقوانين ١ : ١٩٧.

(٧) أي : لا في مثل لفظ «كلّ» وغيره من أداة العموم.

(٨) أي : ولا في المدخول.

ومنها : أنّ دفع المفسدة أولى من جلب المنفعة.

وقد أورد عليه ـ في القوانين (١) ـ : بأنّه مطلقا ممنوع (٢) ، لأنّ في ترك الواجب أيضا مفسدة إذا تعيّن (٣).

ولا يخفى ما فيه (٤) ، فإنّ الواجب ـ ولو كان معيّنا ـ ليس إلّا لأجل أنّ في فعله مصلحة يلزم استيفاؤها من دون أن يكون في تركه مفسدة. كما أنّ الحرام ليس إلّا لأجل المفسدة في فعله بلا مصلحة في تركه.

ولكن يرد عليه (٥) : أنّ الأولويّة مطلقا ممنوعة ، بل ربما يكون العكس أولى (٦) ، كما يشهد به مقايسة فعل بعض المحرّمات مع ترك بعض الواجبات ، خصوصا مثل الصلاة وما يتلو تلوها.

ولو سلّم فهو أجنبيّ عن المقام (٧) ، فإنّه فيما إذا دار بين الواجب والحرام ، ولو سلّم فإنّما يجدي فيما لو حصل القطع.

__________________

(١) قوانين الاصول ١ : ١٥٣.

(٢) أي : أنّ الأولويّة على إطلاقها ممنوعة.

(٣) والحاصل : أنّ الاستدلال بأولويّة دفع مفسدة المنهيّ عنه من جلب منفعة المأمور به على تقديم الأمر على النهي إنّما يتمّ فيما لم يكن في ترك الواجب مفسدة ، كالواجبات التخييريّة ؛ وأمّا في غيرها ـ من الواجبات العينيّة ـ فلا ، فإنّ في تركها أيضا مفسدة. وحينئذ يدور الأمر بين المفسدتين : مفسدة فعل الحرام ـ كالغصب ـ ومفسدة ترك الواجب ـ كالصلاة ـ ، وبما أنّ مفسدة ترك الواجب أهمّ فتقدّم دفعها بفعل الواجب ، وهو معنى تقديم الأمر على النهي.

(٤) أي : فيما أفاد صاحب القوانين. وحاصله : أنّه لا مفسدة في ترك الواجب ، بل إنّما يكون في فعله المصلحة ، كما أنّه لا مصلحة في ترك الحرام ، بل إنّما يكون في فعله مفسدة ، وإلّا لكان اللازم أن ينحلّ كلّ حكم إلى حكمين : أحدهما متعلّق بالفعل والآخر بالترك ، وهو كما ترى.

(٥) أي : يرد على الاستدلال بأولويّة دفع المفسدة من جلب المنفعة.

(٦) أي : قد يكون جلب المنفعة أولى من دفع المفسدة. وهو فيما إذا كانت منفعة المأمور به في غاية القوّة ومفسدة المنهيّ عنه في غاية الضعف.

(٧) فإنّ الترجيح به إنّما يناسب ترجيح المكلّف واختياره للفعل أو الترك بما هو أوفق بغرضه ، لا المقام وهو مقام جعل الأحكام ، فانّ المرجّح هناك ليس إلّا حسنها أو قبحها العقليّان ، لا موافقة الأغراض ومخالفتها كما لا يخفى ، تأمّل تعرف. منه [أعلى الله مقامه].